دراسات

    التحدث مع النفس.. هل هو أمر طبيعي أم مؤشر خطير على الصحة النفسية؟

إن التحدث مع النفس عادة عقلية طبيعية، بل ومفيدة، تعمل على تحسين التركيز والتحكم العاطفي، ولكن عندما تصبح سلبية أو منفصلة عن الواقع، فقد تشير إلى مخاوف أعمق، وفقا لموقع تايمز ناو.

العلم وراء الصوت الداخلي والتحدث مع النفس

ـ منذ اللحظة التي يتعلم فيها الأطفال اللغة، يبدأون باستخدامها كأداة للتفكير ومن المعروف أن الأطفال الصغار يروون قصص لعبهم بصوت عالٍ، وهو سلوك يُطلق عليه علماء النفس التنموي اسم الحديث الداخلي. ومع تقدمنا في العمر، يتحول هذا السرد في الغالب إلى حديث داخلي، ليصبح ما نعرفه باسم مونولوجنا الداخلي ولكن بالنسبة للعديد من البالغين، فإنه يخرج أحيانًا إلى العلن، وهذا أمر طبيعي تمامًا.

ـ تُظهر الأبحاث في علم النفس المعرفي باستمرار أن التعبير عن الأفكار بصوت عالٍ يساعد الدماغ على معالجة المعلومات بكفاءة أكبر فعندما تُناقش نفسك لحل مشكلة، أو اتخاذ قرار عمل صعب، أو إعداد وصفة طعام، أو خوض جدال تحاول كسبه، فأنت في الأساس تُجبر دماغك على تنظيم الأفكار المتناثرة في لغة متماسكة وهذا يُبطئ الاندفاع المعرفي، ويُقلل الأخطاء، ويُعمق التركيز. يستخدمه الرياضيون، ويستخدمه الجراحون، ويستخدمه كبار المؤدين في جميع المجالات تقريبًا، حيث يستخدمون الحديث الذاتي المُتعمد لتحسين الأداء تحت الضغط.

ما هي فوائد الحديث الإيجابي مع الذات؟

يمكن للحديث الإيجابي مع الذات أن يُحسّن الصحة النفسية بشكل ملحوظ من خلال تعزيز التفكير المنطقي، وزيادة الدافعية، ومساعدة الأفراد على إدارة التوتر فهو يُتيح للأفراد مواجهة التحديات بعقلية بنّاءة، مما يُعزز قدرتهم على التكيف والتحكم في مشاعرهم.

كما يُمكن أن يُؤدي الانخراط في الحديث الإيجابي مع الذات إلى نتائج أفضل في مختلف جوانب الحياة، بما في ذلك التحصيل الدراسي والأداء الرياضي.

عندما يكون الحديث مع النفس مفيدًا حقًا

يعمل الحديث مع الذات بطرق محددة بشكل مدهش:

حل المشكلات: إن قول المشكلة بصوت عالٍ يحفز مسارات عصبية مختلفة عن مجرد التفكير فيها، وغالبًا ما ينتج عنه حلول يغفل عنها التفكير الصامت.

التنظيم العاطفي: إن الإشارة إلى نفسك بصيغة الغائب – مثلاً: “لماذا تشعر سارة بهذا التوتر الشديد الآن؟” – تخلق مسافة نفسية تساعدك على تقييم مشاعرك

بموضوعية أكبر: وقد أظهرت الدراسات أن هذه التقنية تقلل من القلق وتحسن ضبط النفس.

الذاكرة والتركيز: إن سرد المهام التي تقوم بها، مثل “أنا أقوم بقفل الباب الأمامي”، يقلل بشكل كبير من فرصة نسيان ما إذا كنت قد فعلت شيئًا ما.

إذن متى يجب أن تشعر بالقلق فعلاً؟

الفرق الجوهري ليس في ما إذا كنت تتحدث مع نفسك أم لا، بل في طبيعة هذا الحديث.

الحديث الذاتي الصحي هادف، ومتفاعل مع الواقع، وخاضع لسيطرتك.

أنت تعلم أنك تفعل ذلك، ويمكنك التوقف يصبح الأمر جديراً بالاهتمام من قبل المختصين عندما:

ـ تسمع أصواتًا تبدو خارجية، منفصلة عن أفكارك، ولا يمكنك التحكم بها.

ـ الخطاب مدفوع بمعتقدات منفصلة بشكل واضح عن الواقع

ـ يصاحب ذلك شعور بالبارانويا أو الارتباك أو ضيق شديد

ـ يعطل سير الحياة اليومية أو العلاقات

قد تكون هذه أعراضًا لحالات مثل الذهان أو الفصام أو الانفصال الشديد، وهي تختلف اختلافًا جوهريًا عن الحديث الذاتي اليومي.

عامل آخر يجب مراعاته هو التكرار والتأثير. إذا كان الحديث مع النفس عرضيًا ومفيدًا، فمن المرجح أنه مجرد أداة معرفية أما إذا كان يعيق الأداء اليومي، أو العلاقات، أو الاستقرار العاطفي، فمن الجدير الانتباه إليه.

الحديث مع النفس ليس مؤشرًا خطيرًا بقدر ما هو مرآة تعكس طريقة تفكيرك، وكيفية تعاملك مع الأمور، وكيفية تعاملك مع ذاتك. الهدف ليس التخلص من هذه العادة، بل توجيهها. تحويل صوتك الداخلي إلى صوت داعم ومتوازن يمكن أن يُحدث فرقًا كبيرًا. لأن في نهاية المطاف، الحوار الذي تُجريه مع نفسك هو أكثر ما تسمعه.

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى