جملة قد تبدو عابرة لكنها تختصر حالا نعيشه كل يوم
لم يعد الخلاف حول القضايا الكبرى فقط بل امتد إلى كل شيء
نظام الطيبات صح نظام الطيبات غلط
هذا لاعب عظيم وذاك لا يستحق الذكر
محمد صلاح فخر العرب ومحمد صلاح لا قيمة له
وبين الرأيين تضيع الحقيقة ويتوارى العقل ويغيب الإنصاف
اخترت هذين النموذجين من بين آلاف النماذج التي تمزق مجتمعاتنا وتكشف حجم الانقسام الذي أصابنا
لم نعد نبحث عن الحقيقة بقدر ما نبحث عمن يؤيد موقفنا
ولم نعد ننصت إلى الرأي الآخر بقدر ما نستعد للهجوم عليه
فتحول الاختلاف الطبيعي بين البشر إلى خصومة ثم إلى عداوة ثم إلى حالة من الاستقطاب تجعل كل فريق يرى نفسه مالك الحقيقة المطلقة ويرى غيره على ضلال مبين
في الماضي كان الحوار وسيلة للفهم
أما اليوم فأصبح كثير من الجدل مجرد معركة لإثبات التفوق وإسكات الآخر
اختفت لغة السؤال وحلت محلها لغة الاتهام
وغاب البحث عن الأدلة وحضر التعصب للأشخاص والأفكار والانتماءات
وأصبح ارتفاع الصوت في كثير من الأحيان بديلا عن قوة الحجة وكأن الحقيقة تقاس بدرجة الانفعال لا بوزن البرهان
الأخطر من ذلك أن وسائل الإعلام التي كان يفترض أن تكون جسرا للمعرفة ومنصة لتقريب وجهات النظر تحولت في كثير من الأحيان إلى أدوات لتعميق الخلافات
فبدلا من تقديم تحقيقات استقصائية جادة تكشف الحقائق وتضعها أمام الناس أصبح بعض الإعلام يبحث عن الإثارة وعن زيادة نسب المشاهدة ولو على حساب الموضوعية
وأصبح الضيف الذي يصرخ أكثر يحظى بمساحة أكبر من الخبير الذي يتحدث بهدوء ويقدم الأدلة
إن المجتمعات لا تتقدم عندما يتفق الجميع على رأي واحد فهذا أمر مستحيل
لكنها تتقدم عندما تتعلم كيف تختلف باحترام
فالاختلاف سنة من سنن الحياة أما الكراهية فليست قدرا محتوما
ويمكن لأي أمة أن تتحول من ساحة صراع إلى ساحة إبداع إذا أعادت الاعتبار للحوار القائم على المعرفة والاحترام المتبادل
نحن في حاجة إلى ثقافة جديدة تعيد الاعتبار للعقل
ثقافة تسمح للإنسان أن يقول رأيه دون خوف وأن يغير رأيه دون خجل إذا ظهرت له أدلة أقوى
ثقافة تجعل الحقيقة أكبر من الأشخاص وتجعل المصلحة العامة أعلى من الانتصار الشخصي في معارك الجدل العقيم
لقد علمتنا التجارب أن المجتمعات التي يختفي فيها الحوار تفتح أبوابها للتعصب والانقسام
وأن الأمم التي ترفع من قيمة العلم والبحث والنقاش الرشيد هي الأمم القادرة على تجاوز أزماتها وصناعة مستقبلها
أما أن يبقى كل فريق يردد أنه وحده على حق وأن الآخرين جميعا على خطأ فهذه ليست طريقا إلى الحقيقة بل طريق إلى مزيد من الفرقة والضياع
وحين يصل المجتمع إلى مرحلة يصبح فيها الصراخ أعلى من الفكر والاتهام أسرع من الفهم والانتصار للرأي أهم من الوصول إلى الحقيقة فعندها يحق لنا أن نقول بمرارة
محدش فاهم حاجة
لكن الأمل يبقى قائما ما دام بيننا من يؤمن أن الحوار ليس ضعفا وأن الاختلاف ليس عداء وأن الحقيقة لا تولد من الضجيج بل من عقل يبحث وقلب ينصف وضمير لا يخشى الاعتراف بالحق أينما كان











