اقرأ لهؤلاءتوب ستوري

أحمد شعبان يكتب : أخطر احتلال في التاريخ… احتلال طريقة التفكير

 

في إطار المشروع الفكري لمؤسسة رسالة السلام العالمية برئاسة المفكر العربي الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي

منذ فجر التاريخ، عرفت البشرية صورًا متعددة من الاحتلال. احتلالٌ للأرض، واحتلالٌ للثروات، واحتلالٌ للقرار السياسي. وكانت الشعوب تقاوم المحتل حتى تستعيد أرضها وحريتها، فإذا خرج المحتل ظنت أن المعركة قد انتهت.

لكن التاريخ يكشف حقيقة مختلفة.

فقد يخرج المحتل من الأرض، بينما يبقى ساكنًا في العقول.

وهنا يبدأ أخطر أنواع الاحتلال.

إن احتلال الأرض يحرم الأمة من جزء من وطنها، أما احتلال طريقة التفكير فيحرمها من قدرتها على صناعة مستقبلها. فالأرض يمكن أن تستعاد، أما العقل إذا استسلم لغيره، فقد يبقى أسيرًا لأجيال.

ولذلك لم يكن الصراع الحقيقي بين الأمم يومًا صراعًا على الحدود وحدها، بل كان – وما زال – صراعًا على كيفية التفكير.

فالذي ينجح في تشكيل طريقة تفكير أمة، لن يحتاج إلى احتلالها عسكريًا؛ لأنها ستعيد إنتاج ما يريد، وتدافع عنه، وربما تهاجم كل من يحاول تحريرها.

ولهذا نجد أن القرآن الكريم لم يبدأ ببناء دولة، ولم يبدأ بتغيير نظام سياسي، وإنما بدأ بتحرير العقل.

فكان أول ما واجه به الإنسان هو التقليد الأعمى، فقال سبحانه:

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾.

إن المشكلة لم تكن في الآباء، وإنما في تعطيل العقل، وتحويل الإنسان من باحث عن الحقيقة إلى تابع لها دون تدبر.

ولذلك تكررت في القرآن الكريم دعوات التفكير والتعقل والتدبر والنظر، حتى أصبحت منهجًا دائمًا، لا مجرد مواعظ.

فالقرآن لا يريد إنسانًا يردد ما يسمع، وإنما إنسانًا يفهم، ويوازن، ويختبر، ويختار عن بينة.

ومن هنا نفهم أن أخطر احتلال لا يفرض على الإنسان رأيًا بالقوة، بل يجعله يظن أن هذا الرأي هو رأيه، وأن هذا الفهم هو خياره، بينما هو في الحقيقة نتاج منظومة فكرية لم يشارك في بنائها.

وعندما تُحتل طريقة التفكير، تتغير معاني الكلمات، وتختلط المفاهيم، ويصبح الباطل حقًا، والحق باطلًا، لا لأن الحقيقة تغيرت، بل لأن ميزان القياس قد تغير.

وهنا تبدأ رحلة الانحدار.

فلا يعود الإنسان يسأل: ما الحق؟

بل يسأل: ماذا يقول الناس؟

ولا يبحث عن الدليل، بل يبحث عمن يؤيده.

ولا يحتكم إلى العقل، بل يحتكم إلى المألوف.

وهذا هو الاحتلال الذي لا يرى بالعين، لكنه يغير مصير الأمم.

إن الحضارات لا تنهار يوم تضعف جيوشها، وإنما يوم تفقد استقلالها الفكري.

وقد تمتلك أمة أحدث المصانع، وأقوى الجامعات، وأكبر الجيوش، لكنها تبقى عاجزة عن الإبداع إذا كانت طريقة تفكيرها مستوردة، أو جامدة، أو تخشى السؤال.

ولذلك فإن تحرير العقل ليس شعارًا ثقافيًا، بل ضرورة حضارية.

ومن هنا تأتي أهمية المشروع الذي تتبناه مؤسسة رسالة السلام العالمية، فهو لا ينطلق من الصراع مع الأشخاص، ولا من الخصومة مع التاريخ، وإنما يدعو إلى إعادة بناء الإنسان من خلال المقاصد القرآنية، حتى يستعيد عقله حريته، ويصبح قادرًا على التمييز بين الحقيقة والوهم، وبين الثابت والمتغير، وبين الدين والاجتهاد البشري.

فالأمم التي تحرر أرضها دون أن تحرر عقولها، قد تفقد أرضها مرة أخرى.

أما الأمم التي تحرر عقولها، فإنها تمتلك القدرة على استعادة كل شيء.

ولذلك فإن معركة المستقبل لن تكون بين من يملك السلاح ومن لا يملكه، بل بين من يملك العقل الحر، ومن يعيش داخل أسوار فكرية صنعها غيره.

فإذا أردنا نهضة حقيقية، فعلينا أن نبدأ من حيث بدأ القرآن…

بتحرير طريقة التفكير.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى