في لحظة إقليمية شديدة الحساسية لم تعد بعض التصريحات الصادرة عن دونالد ترامب مجرد مواقف عابرة بل مؤشرات على خلل أعمق في طريقة نظر بعض القوى الكبرى إلى المنطقة نظرة تختزلها في ساحة نفوذ لا شركاء متكافئين.
غير أن الرد على هذا الخلل لا يكون بالانفعال بل ببناء موقف خليجي أكثر صلابة ووضوحا يحمي المصالح الحيوية قبل أي اعتبار ويعيد تعريف العلاقات الدولية على أساس الندية لا التبعية
إن دول مجلس التعاون الخليجي تقف اليوم أمام اختبار حقيقي ليس فقط في كيفية إدارة تحالفاتها بل في قدرتها على تجنب الانزلاق إلى صراعات قد تفرض عليها تحت عناوين مختلفة بينما تدفع هي كلفتها المباشرة
فالتجارب القريبة والبعيدة تؤكد أن الحروب بالوكالة لا تحقق أمنا بل تفتح أبواب استنزاف طويلة تمس الاستقرار الداخلي وتهدد البنية الاقتصادية وتضع المصالح الحيوية من أمن الطاقة إلى سلامة الممرات الاستراتيجية على المحك
ومن هنا فإن أي حديث عن مواجهة مع إيران يجب أن يقرأ بميزان دقيق
هل يخدم أمن الخليج فعلا أم يقحمه في صراع تتجاوز حساباته حدوده
إن الدول الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة تدير سياساتها وفق مصالحها المتغيرة وتعيد تموضعها حين تقتضي الضرورة بينما تبقى دول المنطقة هي الأكثر تأثرا بنتائج أي تصعيد وهذه حقيقة لا تنتقص من أهمية التحالفات لكنها تفرض إعادة تقييمها بعين المصالح لا بعاطفة الثقة المطلقة
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الاعتماد الكامل على الحماية الخارجية لا يصنع أمنا مستداما بل يخلق هشاشة استراتيجية تقيد القرار و تضعف القدرة على المبادرة وفي المقابل فإن بناء القوة الحقيقية يبدأ من الداخل اقتصاد متماسك قرار سيادي مستقل تكامل إقليمي فعّال واستثمار طويل المدى في الإنسان والتكنولوجيا
إن حماية المصالح الحيوية للخليج لا تكون بخوض معارك الآخرين بل تجنبها حين لا تخدم هذه المصالح
ولا تكون بـ الاصطفاف الحاد بل بامتلاك القدرة على التوازن
اللحظة الراهنة تتطلب شجاعة من نوع مختلف
شجاعة في قول لا حين يكون الثمن هو الاستقرار
وشجاعة في رسم مسار مستقل حتى في ظل تعقيدات المشهد الدولي
الخليج ليس درعا لأحد
وليس وقودا لـ صراعات الآخرين
بل مركز ثقل استراتيجي يملك من المقومات ما يؤهله ليكون لاعبا فاعلا لا ساحة للصراع
والحفاظ على هذا الدور يبدأ بقرار واضح
أن تكون الأولوية دائمًا لمصالح الخليج أولا











