
للأسنان مكانةٌ تتجاوز كونها أدواتٍ للمضغ والكلام؛ فهي مرآةٌ لصحة الإنسان، وعنوانٌ لجمال ابتسامته، ودليلٌ صامتٌ على نمط حياته وغذائه. فما يدخل إلى الجوف لا يقتصر أثره على الجسد وحده، بل يترك بصمته الواضحة على بياض الأسنان وقوتها وسلامتها.
تلعب التغذية دورًا محوريًا في بناء الأسنان منذ نعومة الطفولة، حين تتشكل اللبنات الأولى للمينا والعاج. فالكالسيوم، ذلك المعدن النبيل، يمنح الأسنان صلابتها، ويأتي الفوسفور ليشدّ من أزرها، بينما يسهم فيتامين (د) في حسن امتصاصهما، كالشمس التي تهيئ الأرض لاستقبال البذور. وإذا اختلّ هذا التوازن الغذائي، ضعفت الأسنان واستسلمت مبكرًا للتسوّس والتآكل.
ولا تقل الفيتامينات الأخرى شأنًا؛ ففيتامين (ج) يحافظ على صحة اللثة ويمنع نزفها، وغيابه يفتح أبواب الالتهاب والوهن. أما فيتامين (أ) فيسهم في سلامة الأغشية المخاطية للفم، ليظلّ حصنًا منيعًا في وجه الجراثيم.
وفي المقابل، تقف السكريات والأطعمة المصنعة موقف الخصم اللدود للأسنان؛ إذ تتآمر مع البكتيريا لتكوين الأحماض التي تنخر المينا في صمتٍ ماكر. وكلما طال مكوث السكر في الفم، اشتدّ أثره وعمّ ضرره، حتى تغدو الأسنان رهينة ألمٍ كان يمكن تلافيه باعتدال الغذاء وحسن الاختيار.
ولا يُغفل دور الأطعمة الطبيعية الصلبة، كالتفاح والجزر، التي لا تغذي الجسد فحسب، بل تنظف الأسنان أثناء مضغها، وتحرّض إفراز اللعاب الذي يعدّ خط الدفاع الأول ضد التسوّس. أما الماء، فهو الحياة بعينها، يغسل الفم ويخفف من تركيز الأحماض، ويحفظ التوازن المنشود.
وهكذا، يتبيّن لنا أن صحة الأسنان ليست وليدة العناية الخارجية وحدها، بل ثمرة وعيٍ غذائيٍّ متكامل، يزاوج بين الاعتدال والاختيار السليم. فمن أحسن غذاءه، أحسن إلى أسنانه، ومن صان ابتسامته، صان جزءًا أصيلًا من صحته وبهائه الإنساني.



