
في عصر الفضاء الرقمي، تحول الإنترنت إلى سلاح ذي حدين؛ فبقدر ما يمنحنا من معلومات مفيدة، تحول في كثير من الأحيان إلى “منصة لتصدير الرعب” والشائعات الطبية، وتحديداً في كل ما يخص الأورام والسرطان.
تصفحك لمنشور عابر على وسائل التواصل الاجتماعي أو رسالة مجهولة المصدر على تطبيق “واتساب” قد يجعلك تعتقد أن كل ما تلمسه أو تأكله مسبب للسرطان! هذا التشويش لا يخلق قلقاً وهلعاً غير مبرر فحسب، بل قد يدفع بعض المرضى لترك علاجاتهم الطبية الحقيقية والركض وراء “أوهام الشفاء البديل”. حان الوقت لنسف أشهر الخرافات الشائعة حول الأورام ووضعها في ميزان العلم الحقيقي.
الخرافة الأولى: “السكر يغذي الخلايا السرطانية.. اقطعه ليموت الورم”
الحقيقة الطبية: نعم، الخلايا السرطانية تستهلك الجلوكوز (السكر) بمعدل أسرع من الخلايا العادية لأنها تنقسم بسرعة. لكن، كل خلايا جسمك السليمة (وخصوصاً خلايا الدماغ) تحتاج إلى السكر لتعيش.
قطع السكر تماماً عن جسمك لن يجعل الورم يختفي، بل سيصيب جسدك بالهزال والضعف الشديد ويفقدك القدرة على تحمل العلاج. الارتباط الحقيقي بين السكر والسرطان هو “غير مباشر”؛ فالإفراط في السكر يؤدي إلى السمنة، والسمنة هي البيئة الخصبة للالتهابات المزمنة والأورام. تناول سكرياتك باعتدال ومن مصادر طبيعية (كالفواكه)، ولا تجوع جسدك بناءً على خرافة.
الخرافة الثانية: “خزعة الورم (العينة) تسبب انتشار السرطان في الجسم”
الحقيقة الطبية: هذه واحدة من أكثر الخرافات انتشاراً وتسبباً في تأخير تشخيص المرضى. الخزعة هي إجراء جراحي أو بإبرة خاصة لأخذ جزء صغير من الكتلة وفحصها تحت المجهر لتحديد نوع العلاج.
الأطباء يتبعون بروتوكولات صارمة جداً ومسارات آمنة أثناء سحب العينات تمنع انتقال الخلايا. ترك الورم دون أخذ عينة لتشخيصه بدقة هو الخطر الحقيقي الذي يمنحه الوقت لينتشر ويتوغل في الجسد. الخزعة هي مفتاح الحل، وليست سبب المشكلة.
الخرافة الثالثة: “أجهزة المايكرويف ومزيلات العرق تسبب السرطان”
الحقيقة الطبية:
أشعة المايكرويف: هي أشعة “غير مؤينة” (Non-ionizing)، بمعنى أنها تمتلك طاقة تكفي فقط لتحريك جزيئات الماء داخل الطعام لتسخينه، لكنها لا تمتلك طاقة كافية على الإطلاق لتدمير الحمض النووي (DNA) للخلايا وتحويلها لسرطان.
مزيلات العرق: الشائعة القديمة تقول إن الألومنيوم الموجود بها يسبب سرطان الثدي. عشرات الدراسات الموسعة من المعاهد العالمية لأبحاث السرطان أكدت عدم وجود أي دليل علمي يربط بين استخدام مزيلات العرق وإصابات الأورام. استخدمها بأمان واطمئنان.
4. الخرافة الرابعة: “السرطان مرض معدٍ”
الحقيقة الطبية: السرطان ليس زكاماً أو إنفلونزا؛ لا يمكن أن ينتقل من شخص لآخر عبر اللمس، القبلات، مشاركة الطعام، أو حتى العناق الطويل. يمكنك الجلوس بجانب مريض الأورام، ومساعدته، والاهتمام به بكل حب دون ذرة خوف واحدة على صحتك.
(تنويه طبي: بعض الفيروسات المعدية مثل فيروس الكبد الوبائي B أو فيروس الورم الحليمي HPV قد تزيد من فرص الإصابة ببعض الأورام على المدى الطويل، لكن السرطان نفسه كمرض ليس معدياً).
نصيحة ذهبية لقراء الإنترنت
عندما تقرأ معلومة طبية على الإنترنت، اسأل نفسك دائماً ثلاثة أسئلة: من الذي يكتب؟ وما هو دليله العلمي؟ وهل يبيع لي منتجاً وثنائياً سحرياً؟
لا تجعل من محرك البحث “جوجل” طبيباً شخصياً لك، ولا تسمح لمنشور مجهول المصدر أن يسرق سلامك النفسي أو يوجه قراراتك الصحية. المصادر المعتمدة (مثل منظمة الصحة العالمية، أو جمعيات السرطان الرسمية، أو طبيبك المختص) هي الملاذ الآمن الوحيد للحقيقة. تعامل مع جسدك بوعي وعلم.. فالعلم هو السلاح الأول للوقاية والشفاء.










