
إذا قمت بجولة سريعة على منصات التواصل الاجتماعي أو بحثت في مجموعات التغذية والصحة، ستجد تحذيراً يتكرر بلهجة مرعبة: «السم الأبيض.. السكر يغذي الخلايا السرطانية، وإذا أردت القضاء على الورم فاقطع السكر تماماً لتموته جوعاً!».
تبدو هذه العبارة منطقية للوهلة الأولى، ولها رنين علمي يجعل الكثيرين يصدقونها، بل إنها تدفع بعض المرضى للامتناع عن تناول أي كربوهيدرات أو فواكه، مما يدخلهم في حالة هزال شديد. ولكن، ما هو رأي الطب الحديث والمختبرات العالمية في هذه المقولة؟ هل هي حقيقة علمية أم أكذوبة رقمية؟ لنتعرف على التفاصيل.
أصل الحكاية: من أين جاءت هذه الشائعة؟
في عشرينيات القرن الماضي، اكتشف عالم ألماني يدعى “أوتو فاربورغ” (وحاز على جائزة نوبل بسبب ذلك) أن الخلايا السرطانية تستهلك الجلوكوز (السكر) لإنتاج الطاقة بمعدل يتراوح بين 50 إلى 100 ضعف مقارنة بالخلايا الطبيعية. تُعرف هذه الظاهرة في الطب باسم “تأثير فاربورغ”.
من هنا، التقط مروجو الشائعات هذه المعلومة واقتطعوها من سياقها، وخرجوا بنتيجة مبسطة ومغلوطة وهي: “بما أن السرطان يعشق السكر، إذن تناول السكر يجعله ينمو أسرع، وقطعه يقتله”.
الحقيقة البيولوجية: كيف يرى الطب الأمر؟
الخطأ القاتل في هذه الشائعة يكمن في فهم طبيعة خلايا الجسم. كل خلية في جسدك بلا استثناء تحتاج إلى السكر (الجلوكوز) لتعيش وتعمل؛ فدماغك، وعضلاتك، وقلبك، وجهازك المناعي الذي يحارب الأمراض، كلها تتغذى على الجلوكوز كمصدر رئيسي للطاقة.
هنا تظهر المشكلة: جسمك لا يستطيع توجيه الغذاء لبريد محدد؛ لا يمكنك إخبار جسمك بأن يرسل السكر للخلايا السليمة ويمنعه عن الخلايا السرطانية. إذا قمت بقطع السكر تماماً والكربوهيدرات عن طعامك، سيقوم جسمك قسراً بتحطيم الدهون والبروتينات (العضلات) ليصنع منها جلوكوزاً لكي لا تموت خلايا دماغك وجهازك العصبي. وبالتالي، لن تجوع الخلايا السرطانية، بل سينهك جسدك السليم ويفقد طاقته لمواجهة المرض.
العلاقة الحقيقية: الرابط غير المباشر
إذا كان السكر لا يغذي السرطان بشكل مباشر، فهل هذا يعني أنه بريء تماماً؟ الإجابة هي: لا، الرابط موجود ولكنه “غير مباشر” عبر بوابة السمنة.
مصنع الالتهابات: الإفراط الكبير في تناول السكريات المصنعة (كالمشروبات الغازية، الحلويات، والمخبوزات البيضاء) يؤدي حتماً إلى زيادة الوزن والإصابة بـ السمنة المفرطة.
البيئة الخصبة: السمنة تغير مستويات الهرمونات في الجسم (مثل الإنسولين والإستروجين)، وتجعل الجسم في حالة “التهاب مزمن”. هذه البيئة الهرمونية المضطربة والالتهابية هي التي أثبت العلم أنها ترفع بشكل ملحوظ خطر الإصابة بـ 13 نوعاً من السرطانات.
ما هي خطة الأكل الذكية والموصى بها؟
الاعتدال والوعي هما المفتاح. لا داعي للهلع والامتناع التام، وفي نفس الوقت لا مكان للإفراط. إليك التوصيات الطبية الذهبية:
تجنب السكريات المضافة والمصنعة: قلل قدر الإمكان من السكر الأبيض، الصودا، والعصائر المعلبة؛ ليس لأنها تغذي الورم مباشرة، بل لحماية جسمك من السمنة ومقاومة الإنسولين.
اختر الكربوهيدرات المعقدة: احصل على طاقتك وسكرياتك من مصادر ذكية وبطيئة الامتصاص مثل: الحبوب الكاملة (الشوفان، الخبز الأسمر)، الخضراوات، والفواكه الطازجة.
حافظ على وزنك: اجعل هدفك الأساسي هو الحفاظ على وزن صحي ونشاط بدني مستمر لتجفيف منابع الالتهاب في جسدك.
خلاصة القول
السرطان مرض معقد جينياً وبيولوجياً، واختزاله في فكرة “حبة سكر تحييه ومنعها يميتُه” هو تبسيط مخل يضر بصحة المرضى. لا تجعل الشائعات تحرمك من التغذية المتوازنة التي يحتاجها جسدك ليظل قوياً في معركته. ثق بالعلم، تناول طعامك بوعي واعتدال، واجعل وجبتك غنية بالألوان والطبيعة.. فصحتك تستحق الحقيقة لا الخرافة.










