
ردا على مقال المفكر العربى علي محمد الشرفاء الحمادي ” أسس النهضة العربية في ظل التغيرات العالمية”، قال اللواء نصر سالم، أستاذ العلوم الاستراتيجية بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، أنه يجب على الدول العربية العمل على تعزيز قوتها الداخلية في ظل المتغيرات العالمية، سواء من خلال إصلاحات اقتصادية أو سياسية، وفي نفس الوقت يجب أن تكون أكثر حضورا في الساحة الدولية للدفاع عن مصالحها، مؤكدا أن الحل يتمثل في تعزيز التعاون العربي على جميع الأصعدة، سواء السياسية أو الاقتصادية أو الأمنية، فالتعاون بين الدول العربية السبيل لتحقيق مصلحة الجميع في مواجهة التحديات المشتركة، حيث أن الحلول التوافقية تضمن تمكين الدول العربية من المضي قدما نحو المستقبل، على الرغم من التدخلات الدولية التي قد تسعى إلى التأثير على قراراتها .
أضاف أن التحديات التي تواجه الدول العربية تتطلب قدرة كبيرة على التكيف والابتكار، حيث ستظل الضغوط الدولية تفرض نفسها، وتزيد من تعقيد الأوضاع، كلما يسعى كل بلد عربي لتحقيق مصلحته الوطنية .
وأشار اللواء نصر سالم، إلى أن مصر تواجه تحديات وضغوطا كبيرة لمحاولة التأثير على موقفها الداعم والمساند للقضية الفلسطينية، ورفضها تصفية القضية وضياع حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته وتقرير مصيره، موضحا أن مصر قدمت جهودا كبيرة لوقف العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة وحرب الإبادة الجماعية التي تشنها قوات الاحتلال بحق المدنيين العزل، مستنكرا تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن ضرورة تهجير الفلسطينيين من أراضيهم، لما تمثله من تعدي واضح على حقوق الشعب الفلسطيني وتهديد صريح للأمن القومي المصري والأردني والعربي بشكل عام، وقد يعرقل كافة مسارات ومساعي الدولة المصرية نحو تحقيق السلام الشامل والعادل في المنطقة .
ولفت اللواء نصر سالم، إلى أن هذه الضغوط لم ولن تثني مصر عن دعمها لحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته، ورفضها التعدي الغاشم على أهالي غزة، وحرصها على إعادة إعمار القطاع، وتوفير احتياجات الأشقاء في غزة من طعام وشراب ودواء ووقود وكافة مستلزمات الحياة منذ اللحظات الأولى من اندلاع أحداث السابع من أكتوبر 2023، مثمنا موقف المملكة العربية السعودية وتأكيدها على ضرورة قيام الدولة الفلسطينية، تكذيبا لتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي يحاول إشعال المنطقة بأحاديث وإدعاءات كاذبة من الممكن أن تشعل فتيل الفتنة في المنطقة وسقوطها في بؤرة صراع، مشددا على ضرورة حشد المجتمع الدولي لدعم حقوق الشعب الفلسطيني الذي عبرت عنه قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة باعتبار فلسطين مؤهلة للعضوية الكاملة للأمم المتحدة .
وأوضح سالم أن تصريحات ترامب، تطيح بكافة القوانين والمعاهدات الدولية وما هو إلا غطاء لتصفية القضية الفلسطينية، مشددا على أن الدولة المصرية أعلنت رفضها أمام العالم بالثبات على موقفها برفض تهجير الفلسطينيين من أراضيهم، والشعب المصري خرج ليعلن رفضه التام للتهجير وعدم المساس بالأمن القومى المصري، واجتمع المعارض مع المؤيد أمام معبر رفح ليعلنوها أمام العالم على الحدود المصرية “لا للتهجير.. لا لتصفية القضية الفلسطينية.. سيناء خط أحمر”، مؤكدا أن التلاحم بين الشعب المصري وقيادته في رفض التهجير يمثل رسالة قوية للمجتمع الدولي بأن مصر لن تكون جزءا من أي مخططات لتصفية القضية الفلسطينية، وأن محاولات فرض حلول على حساب أمنها القومي ستواجه برفض شعبي وحكومي قاطع .
وأشاد بالشعب الفلسطيني الذي أثبت عبر التاريخ قدرة استثنائية على الصمود ورفض كل مشاريع التهجير والتوطين، مشيراً إلى أن تمسك الفلسطينيين بأرضهم وهويتهم يمثل حائط صد أمام كل المخططات، كما أن التماسك العربي في رفض مشاريع التهجير يمثل ضمانة أساسية لحماية الحقوق الفلسطينية.
وشدد على أن وحدة الموقف العربي تشكل قوة ردع أمام المخططات الإسرائيلية، محذرا من أن تكرار ترامب لهذه التصريحات يهدف إلى تطبيع فكرة التهجير القسري في الوعي الدولي، الا أن هذه المحاولات ستفشل أمام صلابة الموقف العربي وصمود الشعب الفلسطيني .
من جانبه قال اللواء سمير فرج، الخبير الإستراتيجي، أن المنطقة العربية شهدت العديد من الأزمات والكوارث ضد أشقائنا في فلسطين ولبنان وسوريا بسبب الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على أوطاننا، التي راح ضحيتها عشرات الآلاف من الشهداء الأبرياء من الأطفال والنساء والشيوخ والمدنيين بشكل عام، متسائلا: ما الذي ينتظر الوطن العربي في ظل التغيرات السياسية المتسارعة التي يشهدها العالم، حيث تجد الدول العربية نفسها في مواجهة تحديات غير مسبوقة على الصعيدين المحلي والدولي، هذه التحديات تتراوح بين الصراعات المسلحة الداخلية والخارجية، وبين الضغوط السياسية التي تمارسها القوى الكبرى .
وأشار اللواء سمير فرج، إلى إنه في الوقت الذي تسعى فيه هذه الدول لتحقيق مصلحتها الوطنية والحفاظ على استقرارها الداخلي، تظل المصالح الدولية تفرض نفسها على الواقع العربي، لتخلق توازنا هشا بين الدفاع عن السيادة الوطنية والتعامل مع القوى الدولية، مؤكدا أن العديد من الدول العربية تواجه تحديات داخلية كبيرة تتراوح بين الأزمات الاقتصادية، والتوترات الاجتماعية، والصراعات السياسية، مضيفا أنه في ظل هذه الأوضاع يصبح تحقيق المصلحة الوطنية أمر بالغ الصعوبة، لافتا إلى أن الدول العربية بحاجة إلى استراتيجيات فعالة لضمان استقرارها الداخلي مع الحفاظ على سيادتها في مواجهة الضغوط الخارجية .
وأكد اللواء سمير فرج، أن الحروب الدائرة في غزة ولبنان وسوريا ليست مجرد صراعات إقليمية، بل تمثل جبهات مفتوحة لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي والقوى الغربية التي تسعى للهيمنة على المنطقة، مؤكدا أن هذه الحروب تضع الدول العربية في موقف معقد، إذ يفرض عليها التوازن بين دعم قضايا الشعب الفلسطيني والدفاع عن حقوق الإنسان في المنطقة، وبين تحقيق الاستقرار الداخلي وعدم الانجرار إلى صراعات قد تؤثر على سيادتها،موضحا أن التحديات التي تواجه الدول العربية لا تقتصر على الصراعات الداخلية فقط، بل تتعداها إلى التدخلات الأجنبية، سواء من خلال الاستعمار المباشر أو من خلال الضغط السياسي والاقتصادي .
وتابع الخبير الإستراتيجي ” هناك محاولات غربية مستمرة لفرض الهيمنة على المنطقة العربية، سواء عبر الدعم الغربي لإسرائيل أو من خلال فرض عقوبات اقتصادية على الدول التي تسعى إلى الحفاظ على استقلالها الوطني، مشيرا إلى أن الدول العربية تسعى إلى تحقيق مصالحها الاستراتيجية على الرغم من الظروف الصعبة،في ظل الصراعات الدائرة، تحاول بعض الدول أن تستخدم علاقتها بالقوى الكبرى كوسيلة لحماية نفسها أو تعزيز مكانتها على الساحة الدولية ” .
وأضاف فرج، أن الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون لهم دور كبير في تحديد مصير العديد من القضايا العربية، فى الوقت الذي تروج فيه هذه القوى لحقوق الإنسان والديمقراطية، فإن مصالحها الاستراتيجية غالبا ما تتعارض مع هذه المبادئ من خلال التلاعب بالصراعات، لذلك يمكن للغرب أن يسهم في تأجيج الأزمات بدلا من حلها، وتختلف ردود الفعل العربية تجاه الضغوط الدولية، فعلى سبيل المثال، بعض الدول العربية اختارت الحياد أو التوازن بين القوى الكبرى، بينما سعت أخرى إلى التحالف مع دول معينة في محاولة لمواجهة التحديات المشتركة، متساءلا حول كيفية تحقيق المصلحة الوطنية في ظل هذه المتغيرات، مع الحفاظ على استقلال القرار السياسي للدول العربية .
ويرى اللواء سمير فرج، أن التحديات الاقتصادية تمثل أحد أبعاد المصلحة الوطنية في العديد من الدول العربية، في ظل الحروب والصراعات المستمرة، حيث تواجه هذه الدول أزمات اقتصادية كبيرة، ما يضطرها إلى اتخاذ قرارات قد تكون قاسية على المستوى الاجتماعي، مثل تقليص الدعم أو فرض الضرائب الجديدة، طارحا لعدة تساؤلات: هل هذه الإجراءات هي الحل لتحقيق المصلحة الوطنية؟ وهل تستطيع الدول العربية مواجهة التداعيات الاقتصادية لهذه القرارات في ظل الوضع الدولي المعقد؟ وما مستقبل الدول العربية في ظل هذه التحديات المتزايدة؟ في الوقت الذي تواجه فيه هذه الدول تحديات عميقة من جميع الجوانب، تبرز أهمية التفكير الاستراتيجي والتخطيط بعيد المدى .
والى نص مقال المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي ” أسس النهضة العربية في ظل التغيرات العالمية ” :
لقد شَرُفت الأمة العربية برسالةٍ إنسانيةٍ ساميةٍ حملها ابنٌ من أعظم أبنائها وأشرفهم نسبًا ومكانةً، محمد بن عبد الله ﷺ، الذي رفع راية التوحيد، ودعا إلى تحرير الإنسان من كافة أشكال العبودية، واضعًا أسسًا لحياةٍ متحضرةٍ راقيةٍ مبنيةٍ على قيمٍ سماويةٍ سامية، أساسها العدل، ومنتهاها الرحمة، وبينهما تعاليم أخلاقية متصلة بعضها ببعض لبناء المواطن الصالح. وقد قررت الرسالة نصوصًا واضحةً وأوامرَ إلهيةً لا تقبل الجدل، وضعت أسسًا جليةً لحقوق الإنسان، وحررته من كل ما يعيق حركته في حياةٍ كريمة، سواءً في اختيار دينه أو أسلوب حياته، بشرط ألّا يترتب على سلوكه إضرارٌ بنفسه أو بغيره. تلك هي مبادئ السلوك الحضاري في التعامل بين الإنسان وأخيه الإنسان، حيث نرى في القرآن الكريم أسمى صور الحوار وعظمته، بين الخالق سبحانه وملائكته، وبين الخالق وعباده، دون بطشٍ أو مصادرةٍ للرأي، فهو سبحانه يعلّمنا كيف يكون الحوار، مخاطبًا العقل بالمنطق تارةً، وبالأمثال تارةً أخرى، ويقرّب لنا النتائج من خلال العرض الرائع لأحداث الأمم السابقة، لنستفيد من تجاربهم ونتجنب أخطاءهم، حتى نسير على الطريق الآمن. وانطلاقًا من هذا المفهوم، فقد كانت الأمة العربية سبّاقةً إلى اعتماد أسلوب الحوار الهادف لتحقيق مصلحة جميع الأطراف، وتوفير الجهد والمال والدم، بديلًا عن الخلافات والنزاعات، خصوصًا بين القادة العرب، التي تكاد أن تنسف ما تبقى من روابط الأخوّة، وتقطع أواصر العروبة ورابطة المصير المشترك. ومن شأن اتباع هذا النهج أن يقدّم للعالم صورةً حضاريةً مستمدةً من تعاليم ديننا الحنيف وقيمه في التعامل، حيث يتقدم كل طرف إلى الآخر بمد يد المودة والسلام، اقتداءً بمنهج محمدٍ عليه الصلاة والسلام، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِ وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ﴾ (سورة النحل، الآية 125)، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَسۡتَوِي ٱلۡحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّيِّئَةُ ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيۡنَكَ وَبَيۡنَهُۥ عَدَٰوَةٞ كَأَنَّهُۥ وَلِيٌّ حَمِيمٞ﴾ (سورة فصلت، الآية 34). في ظل التحديات الراهنة، حيث يواجه العالم اضطرابات سياسية متزايدة، وتتصاعد التهديدات والتوترات الدولية، إضافةً إلى الأزمات الاقتصادية التي باتت تعصف بالدول، محدثةً موجاتٍ من التضخم والركود الاقتصادي الذي يثقل كاهل الشعوب. فإن الأمة العربية تقف اليوم أمام مفترق طرق، إما أن تستعد لمجابهة هذه الأعاصير الاقتصادية والسياسية والاجتماعية عبر تعزيز التكامل والتعاون المشترك، أو تجد نفسها في موقف يزيد من معاناة أبنائها، ويعمّق من أزماتها الاقتصادية والاجتماعية، مما يجعلها أكثر عرضةً للاستغلال والضغوط الخارجية. إن المرحلة القادمة تفرض على الدول العربية إعادة النظر في سياساتها الاقتصادية والاستراتيجية، والاستفادة من الفرص الناشئة وسط هذا التغير المتسارع، حتى لا تبقى مجرد متلقٍّ للقرارات الدولية، بل تصبح لاعبًا رئيسيًا قادرًا على حماية مصالحه وبناء مستقبلٍ أكثر استقرارًا لأبنائه.










