
قال الدكتور بلال شعيب، الخبير الاقتصادي، ردا على مقال المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي “أسس النهضة العربية في ظل التغيرات العالمية ” أن أهمية التكامل الاقتصادي العربي اليوم تكمن في تمكين الدول العربية من وضع السياسات المشتركة، لإيجاد الحلول للأزمات التي تتطلب منه تعاونا دوليا مشتركا، حيث يواجه العالم الان مجموعة من التحديات الاقتصادية، منها تنامي الحروب والنزاعات التجارية بين التكتلات الاقتصاديّة الكبرى، ما يزيد من القيود التي تعرقل التجارة الدولية الحرة .
وأشار إلى ارتفاع مخاطر الأمن الغذائي وتضخم الأسعار العالمية، علاوة على التهديدات التي تطال سلاسل توريد مصادر الطاقة، بفعل التوترات الجيوسياسية، موضحا دور الاتحادات والتكتلات الاقتصادية في الدول الناشئة والنامية، نظرا لأهمية هذا النوع من الكيانات، لتمكين هذه الدول من التصدى لكل تلك التحديات، حيث يطرح اليوم السؤال البديهي عن التكامل الاقتصادي العربي، الذي تحدثت عنه جامعة الدول العربية والحكومات العربية كهدف بديهي، لذلك تكمن أهمية هذا التكامل في تمكين الدول العربية من وضع السياسات المشتركة، لإيجاد الحلول للأزمات التي تتطلب تعاونا دوليا مشتركا .
وأكد الدكتور بلال شعيب، أن هذا التكامل يفتح الأسواق أكثر بين الدول العربية، لتعزيز التجارة والاستثمارات والنمو الاقتصادي، وضمان إمدادات الغذاء والطاقة بشكل مستدام، ومواجهة التحديات النقدية والمالية المستجدة، وبذلك، يصبح التكامل الاقتصادي العربي أداة أساسية للتعامل مع التحديات القائمة في الأسواق الدولية حاليا، بل ومعالجة بعضها أيضا، مضيفا أنه
برغم إنجاز الدول العربية بعض الخطوات لتحقيق التكامل الاقتصادي بينها، على مدى العقود الماضية، إلا أنها مازالت عاجزة عن تطوير هذا التكامل والاستفادة من إمكاناته بالشكل الصحيح، وهذا يحمل الدول العربية عبء مواجهة التحديات الاقتصادية العالمية بغياب خطة أو رؤية مشتركة، لافتا إلى أن الدول العربية تحركت لمسألة التعاون الاقتصادي للمرة الأولى عام 1945، في ميثاق تأسيس جامعة الدول العربية،حيث نص الميثاق في مادته الثانية على تحقيق التعاون العربي المشترك في الشؤون الاقتصادية والمالية، بما يشمل التبادل التجاري والسياسات الجمركية، بالإضافة إلى الشؤون المرتبطة بقطاعي الزراعة والصناعة .
وتابع الخبير الاقتصادي ، أن ميثاق الجامعة العربية نص ايضا على تعاون الدول العربية في شؤون المواصلات، بما يشمل السكك الحديدية والطرق والطيران والملاحة والبريد، ولهدف تحقيق التكامل والتعاون الاقتصادي العربي لنهضة الوطن العربي، تأسس عام 1957 مجلس الوحدة الاقتصاديّة العربية، تحت مظلة الجامعة، ليكون الجهاز المسؤول عن وضع خطة عملية لتحقيق التكامل الاقتصادي بين الدول العربية، كما تولى المجلس وضع المراحل والتشريعات المطلوبة لتحقيق هذا التكامل، بالتنسيق مع وزارات الاقتصاد والمال في كل دولة عربية، حيث تميز المجلس بإلزامية تنفيذ قراراته من قبل الدول الأعضاء، فيما بدأ المجلس بعقد اجتماعاته بعد سبع سنوات من تأسيسه، عام 1964، ووضع لنفسه أهدافا كبرى، تشمل الوصول إلى مرحلة تحرير انتقال رؤوس الأموال والأشخاص بين الدول العربية دون أي عوائق، وفتح الأسواق أمام تبادل السلع والخدمات بين الدول العربية بشكل تام، كما استهدف المجلس الوصول إلى مرحلة حرية النقل والترانزيت والإقامة والعمل وممارسة النشاط الاقتصادي لجميع مواطني الدول العربية، في جميع الدول الأعضاء بجامعة الدول العربية .
وأوضح شعيب، أن رغم كل هذه الأهداف الطامحة، ظلت إنجازات هذا المجلس محدودة خلال الستينات والسبعينات من القرن الماضي، تقتصر على تأسيس بعض منظمات التعاون العربي كالمنظمة العربية للتنمية الإدارية، والأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري، والمنظمة العربية للتنمية الزراعية، والمنظمة العربية للاتصالات الفضائية، وفي العديد من الحالات، ظلت إمكانات وإنجازات بعض هذه المنظمات محدودة، نتيجة عدم توفر الإمكانات المالية في معظم الدول العربية في ذلك الوقت، ومحدودية الخبرات العربية الكفيلة بتفعيل هذه المنظمات، مشيرا إلى أن مازالت الدول العربية عاجزة عن تحقيق التكامل الاقتصادي بينها بالشكل الأمثل، فرغم إزالة الحواجز الجمركية بينها، لتحفيز التجارة البينية في ما بينها، لم يتم الوصول إلى مرحلة الاتحاد الجمركي الكامل بين الدول الأعضاء، حيث تكمن أهمية الاتحاد في أنه يسمح للدول العربية بعقد اتفاقيات جماعية لشراء السلع بالجملة من الدول الأخرى غير العربية، وبأسعار وشروط أفضل، ليتم توزيعها على الدول العربية بحسب احتياجاتها .
وأوضح الدكتور بلال شعيب، أن أهمية هذا الاتحاد للدول العربية يتمثل بالتفاوض بشكل جماعي مع التكتلات الاقتصادية الأخرى، لتسهيل التجارة الدولية معها بشروط جيدة، ولضمان حرية انتقال السلع المستوردة بين الدول العربية، بعد أن يتم توحيد شروط ورسوم استيراد السلع من الخارج، مضيفا أن الدول العربية لم تصل إلى مرحلة التكامل والتعاون حتى الان، في ظل المتغيرات العالمية للتعامل مع التحديات المالية المرتبطة بأزمات السيولة وارتفاع الفوائد ومديونيات الحكومات، ولم يتم العمل على أية حلول مشتركة لهذه المشاكل، ولم تنجح الدول العربية في إطلاق مسارات مؤثرة للعمل المشترك على أزمة تغير المناخ، وتداعياتها على الدول العربية، لافتا إلى أن دول الخليج اليوم تمتلك فوائض ضخمة من السيولة، نتيجة ارتفاع أسعار النفط والغاز، متسائلا: لماذا لم تعمل الدول العربية مجتمعة على عقد اتفاقيات مشتركة لتنظيم حركة الاستثمارات عابرة الحدود .
والى نص مقال المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي ” أسس النهضة العربية في ظل التغيرات العالمية ” : لقد شَرُفت الأمة العربية برسالةٍ إنسانيةٍ ساميةٍ حملها ابنٌ من أعظم أبنائها وأشرفهم نسبًا ومكانةً، محمد بن عبد الله ﷺ، الذي رفع راية التوحيد، ودعا إلى تحرير الإنسان من كافة أشكال العبودية، واضعًا أسسًا لحياةٍ متحضرةٍ راقيةٍ مبنيةٍ على قيمٍ سماويةٍ سامية، أساسها العدل، ومنتهاها الرحمة، وبينهما تعاليم أخلاقية متصلة بعضها ببعض لبناء المواطن الصالح. وقد قررت الرسالة نصوصًا واضحةً وأوامرَ إلهيةً لا تقبل الجدل، وضعت أسسًا جليةً لحقوق الإنسان، وحررته من كل ما يعيق حركته في حياةٍ كريمة، سواءً في اختيار دينه أو أسلوب حياته، بشرط ألّا يترتب على سلوكه إضرارٌ بنفسه أو بغيره.
تلك هي مبادئ السلوك الحضاري في التعامل بين الإنسان وأخيه الإنسان، حيث نرى في القرآن الكريم أسمى صور الحوار وعظمته، بين الخالق سبحانه وملائكته، وبين الخالق وعباده، دون بطشٍ أو مصادرةٍ للرأي، فهو سبحانه يعلّمنا كيف يكون الحوار، مخاطبًا العقل بالمنطق تارةً، وبالأمثال تارةً أخرى، ويقرّب لنا النتائج من خلال العرض الرائع لأحداث الأمم السابقة، لنستفيد من تجاربهم ونتجنب أخطاءهم، حتى نسير على الطريق الآمن.
وانطلاقًا من هذا المفهوم، فقد كانت الأمة العربية سبّاقةً إلى اعتماد أسلوب الحوار الهادف لتحقيق مصلحة جميع الأطراف، وتوفير الجهد والمال والدم، بديلًا عن الخلافات والنزاعات، خصوصًا بين القادة العرب، التي تكاد أن تنسف ما تبقى من روابط الأخوّة، وتقطع أواصر العروبة ورابطة المصير المشترك.
ومن شأن اتباع هذا النهج أن يقدّم للعالم صورةً حضاريةً مستمدةً من تعاليم ديننا الحنيف وقيمه في التعامل، حيث يتقدم كل طرف إلى الآخر بمد يد المودة والسلام، اقتداءً بمنهج محمدٍ عليه الصلاة والسلام، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِ وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ﴾ (سورة النحل، الآية 125)، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَسۡتَوِي ٱلۡحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّيِّئَةُ ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيۡنَكَ وَبَيۡنَهُۥ عَدَٰوَةٞ كَأَنَّهُۥ وَلِيٌّ حَمِيمٞ﴾ (سورة فصلت، الآية 34). في ظل التحديات الراهنة، حيث يواجه العالم اضطرابات سياسية متزايدة، وتتصاعد التهديدات والتوترات الدولية، إضافةً إلى الأزمات الاقتصادية التي باتت تعصف بالدول، محدثةً موجاتٍ من التضخم والركود الاقتصادي الذي يثقل كاهل الشعوب.
فإن الأمة العربية تقف اليوم أمام مفترق طرق، إما أن تستعد لمجابهة هذه الأعاصير الاقتصادية والسياسية والاجتماعية عبر تعزيز التكامل والتعاون المشترك، أو تجد نفسها في موقف يزيد من معاناة أبنائها، ويعمّق من أزماتها الاقتصادية والاجتماعية، مما يجعلها أكثر عرضةً للاستغلال والضغوط الخارجية.
إن المرحلة القادمة تفرض على الدول العربية إعادة النظر في سياساتها الاقتصادية والاستراتيجية، والاستفادة من الفرص الناشئة وسط هذا التغير المتسارع، حتى لا تبقى مجرد متلقٍّ للقرارات الدولية، بل تصبح لاعبًا رئيسيًا قادرًا على حماية مصالحه وبناء مستقبلٍ أكثر استقرارًا لأبنائه.









