تقارير

تسوّس الأسنان هو الزائر الأكثر شيوعًا فى الفم

في صمتٍ لا ننتبه إليه، تبدأ مشكلات الأسنان بالتكوّن، ثم ما تلبث أن تعلن عن نفسها ألمًا يوقظ الليل، أو ابتسامة تخجل من الظهور. فالأسنان، على صِغَرها، تحمل عبئًا كبيرًا في حياة الإنسان؛ بها نأكل، وبها ننطق، وبها تكتمل ملامح حضورنا أمام الآخرين. وحين تُهمَل، تتحوّل من نعمةٍ صامتة إلى شكوى لا تهدأ.

تسوّس الأسنان هو الزائر الأكثر شيوعًا، يدخل دون استئذان، مستغلًا بقايا الطعام وإهمال التنظيف. يبدأ خفيًا، نقطةً داكنة لا تُؤلم، ثم يتعمّق حتى يصل إلى عصب السن، فيتحوّل الصمت إلى وجعٍ نابض. وعلاج التسوّس، وإن اختلفت درجاته، يقوم أساسًا على الإزالة والترميم؛ فحشوٌ بسيط يكفي في بدايته، أمّا إذا بلغ العصب، فلا بد من علاجٍ أعمق يعيد للسن قدرته على البقاء. غير أن الوقاية تبقى العلاج الأجمل: تنظيف منتظم، وتقليل للسكريات، وزيارة لا تؤجَّل لطبيب الأسنان.

أما أمراض اللثة، فهي أكثر خديعة؛ إذ لا تبدأ بالألم، بل بنزيفٍ خفيف يُستهان به، واحمرارٍ يُظنّ عابرًا. لكنها، إن تُركت، تؤدي إلى تخلخل الأسنان وفقدانها، كأن الجذور نفسها تفقد ثقتها بالأرض. ويكمن علاجها في تنظيفٍ عميق يزيل الترسّبات، وفي عناية يومية تُعيد للّثة عافيتها، وقد يتطلّب الأمر تدخلًا جراحيًا في المراحل المتقدمة. اللثة، وإن بدت هامشية، هي الحارس الحقيقي للأسنان.

ثم تأتي حساسية الأسنان، ذلك الألم الخاطف الذي يلسع عند أول رشفة باردة أو لقمة ساخنة. سببه غالبًا تآكل طبقة المينا أو انحسار اللثة، فتُكشف الأعصاب لما لا تحتمل. ويكمن علاجها في معاجين خاصة تُهدّئ العصب، وفي تجنّب العادات القاسية على الأسنان، كالتفريش العنيف أو الإفراط في المشروبات الحمضية.

ولا يمكن إغفال رائحة الفم الكريهة، تلك المشكلة التي تتجاوز حدود الفم لتطال الثقة بالنفس والعلاقات الاجتماعية. وغالبًا ما تكون انعكاسًا لتسوّسٍ مهمل، أو التهاب لثة، أو جفافٍ دائم في الفم. علاجها لا يكون بإخفائها بالعطور، بل بمعالجة سببها، والاهتمام بالنظافة الشاملة للفم واللسان، وشرب الماء بانتظام.

أما فقدان الأسنان، فهو الخاتمة المؤلمة لمسار طويل من الإهمال أو المرض. لكنه لم يعد نهاية الحكاية؛ فقد فتح طب الأسنان الحديث أبوابًا واسعة للتعويض، من الجسور إلى الزرعات التي تُعيد للابتسامة توازنها، وللفم وظيفته، وللنفس بعض ما فقدته من اطمئنان.

وهكذا، تبدو مشاكل الأسنان، على تنوّعها، رسائل صامتة يبعثها الجسد طلبًا للعناية. فمن يُصغي مبكرًا، يجد العلاج يسيرًا، ومن يؤجّل، يواجه الألم أثقل. والأسنان، في نهاية الأمر، ليست مجرد أدوات للمضغ، بل مرآة للصحة، وعنوانًا للاهتمام بالنفس، وابتسامةً تستحق أن تُصان.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى