يُعَدّ بر الوالدين من أعظم القيم التي جاء بها الإسلام، وهو من أوثق القربات إلى الله تعالى، حتى قرن الله طاعته ببر الوالدين في مواضع كثيرة من القرآن، تأكيدًا لعِظم شأنهما وسمو مكانتهما. قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: 36]. فبعد أعظم حق، وهو حق الله في التوحيد والعبادة، يأتي مباشرة حق الوالدين في البر والإحسان.
وقد أوصى الله عز وجل بالوالدين إحسانًا في مراحل حياتهما كلها، ولا سيما عند الكِبر حيث يضعفان وتشتد حاجتهما إلى الرحمة والعون. قال سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: 23]. ففي هذه الآية الكريمة أمرٌ صريحٌ برعاية الوالدين، وحسن معاملتهما بالقول والعمل، بل ونهى عن أقل كلمة تضجر قد تُقال لهما.
وجاء في السنة النبوية من الأحاديث ما يبين فضل بر الوالدين وخطورة عقوقهما. فقد قال النبي ﷺ: «رِضا الله في رضا الوالد، وسخط الله في سخط الوالد» [رواه الترمذي]. كما جاءه رجل يسأله: أي العمل أحب إلى الله؟ قال ﷺ: «الصلاة على وقتها»، قال: ثم أي؟ قال: «بر الوالدين»، قال: ثم أي؟ قال: «الجهاد في سبيل الله» [رواه البخاري ومسلم]. فجعل بر الوالدين في المرتبة الثانية بعد الصلاة مباشرة، مقدّمًا إياه على الجهاد في سبيل الله إلا إذا تعين.
ولا يقتصر أثر بر الوالدين على الفرد وحده، بل يتعداه إلى المجتمع كله. فالأسرة هي اللبنة الأولى في بناء المجتمع، وإذا صلحت صلح المجتمع بأسره. والبر بالوالدين يزرع داخل الأبناء الرحمة، والوفاء، والاحترام، والطاعة، وهذه القيم تنتقل بدورها إلى تعاملاتهم مع الآخرين. فإذا تربى الأبناء على البر والإحسان لوالديهم، انعكس ذلك على علاقاتهم في المجتمع، فأصبحوا أكثر رحمة بالضعفاء، وأكثر وفاءً بالعهود، وأحرص على صلة الأرحام.
وبر الوالدين كذلك يعزز الاستقرار الأسري، ويمنع الكثير من صور التفكك والانحراف. فالابن الذي يبر والديه يعلّم أبناءه من بعده هذا الخلق، فتستمر سلسلة الرحمة والوفاء جيلاً بعد جيل، فيتحقق بذلك الترابط الأسري والمجتمعي. وقد أثبتت التجارب أن المجتمعات التي تُعلي من قيمة الأسرة وتُحافظ على مكانة الوالدين، تكون أكثر تماسكا وأقوى تماسكًا في مواجهة التحديات.
ومن آثار البر أيضًا أن الله يبارك في عمر البارّ ورزقه، ويجعل ذريته صالحة، ويهيئ له من يبره حين يكبر. كما أن بر الوالدين لا ينقطع بموتهما، بل يستمر بالدعاء لهما، والصدقة عنهما، وصلة أرحامهما. فقد قال النبي ﷺ: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له» [رواه مسلم].
وعلى الجانب الآخر، فإن عقوق الوالدين من أكبر الكبائر التي نهى عنها الشرع، وقرنها النبي ﷺ بالشرك بالله وقتل النفس. قال ﷺ: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «الإشراك بالله، وعقوق الوالدين»، وكان متكئًا فجلس، فقال: «ألا وقول الزور، وشهادة الزور» [رواه البخاري ومسلم]. وعقوق الوالدين لا يجني ثماره المرة إلا المجتمع الذي ينشأ على القسوة والجفاء وقطع الأرحام.
إن بر الوالدين ليس مجرد واجب شرعي، بل هو مظهر من مظاهر الإنسانية الراقية التي تدعو إلى رد الجميل والاعتراف بالفضل. فالوالدان هما السبب في وجود الأبناء، وقد حملا المشقة والتعب منذ الحمل والولادة وحتى التربية والرعاية. ومن الوفاء أن يُقابل ذلك بالبر والإحسان، قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: 14].
وخلاصة القول أن بر الوالدين عبادة عظيمة تعكس الإيمان الحقيقي، وتُصلح النفوس، وتبني مجتمعًا متماسكًا قائمًا على الرحمة والوفاء. وهو طريق إلى رضا الله في الدنيا والآخرة، وأثره يتعدى حدود الفرد ليشمل صلاح الأسرة واستقرار المجتمع بأسره.










