اقرأ لهؤلاء

الباحث محمد الشنتناوي يكتب … افكار الشرفاء الحمادي في معرض الكتاب رسالة سلام تُعيد بناء الوعي وتفتح للشباب أبواب الخروج من الظلام

تحوّل معرض الكتاب في دوراته الأخيرة من مجرد مناسبة ثقافية لعرض الإصدارات الجديدة إلى مساحة حية للحوار، والتفاعل الفكري، وإعادة طرح الأسئلة الكبرى التي تشغل المجتمع، وعلى رأسها قضايا الوعي، والدين، والهوية، ومستقبل الإنسان العربي. ولم يعد الزائر يبحث فقط عن كتاب يقتنيه، بل عن فكرة تلامسه، أو رؤية تساعده على فهم ذاته والعالم من حوله في زمن تتزاحم فيه الخطابات، وتتشابك فيه المفاهيم، وتزداد فيه الحيرة، خاصة لدى فئة الشباب.

في هذا السياق، برز جناح رسالة السلام بوصفه أحد المساحات المختلفة داخل المعرض؛ مساحة لا تقوم على الجدل ولا الصدام، بل على تقديم طرح فكري هادئ، إنساني، يعيد قراءة الدين من منطلق قرآني مقاصدي، يربط بين الإيمان والرحمة، وبين التدين والعدل، وبين العقيدة وكرامة الإنسان. لم يكن الجناح مجرد مكان لعرض كتب، بل منصة مفتوحة للحوار، يلتقي فيها الزوار من مختلف الأعمار والخلفيات، ويتوقف عندها الشباب طويلًا، وكأنهم وجدوا فيها ما كانوا يبحثون عنه دون أن يعرفوا اسمه.

تتمحور رسالة جناح السلام حول أفكار المفكر العربي علي محمد الشرفاء، التي تدعو إلى تحرير الوعي الديني من الروايات المغلقة والتفسيرات التي رسخت الخوف والانقسام، وإعادة الاعتبار للقرآن بوصفه مصدرًا للهداية والرحمة والسلام، لا أداة للتكفير أو الإقصاء. هذه الرسالة وجدت صدى واسعًا بين الشباب، الذين يعيش كثير منهم صراعًا داخليًا بين ما تلقوه من أفكار متشددة، وما يشعرون به فطريًا من نفور من العنف والكراهية واحتكار الحقيقة.

ما يلفت الانتباه داخل جناح رسالة السلام هو طبيعة الحوار الدائر فيه؛ حوار قائم على الإصغاء قبل الرد، وعلى طرح الأسئلة دون وصاية، وعلى احترام عقل الزائر وتجربته. كثير من الشباب يقفون ليسألوا: هل يمكن أن يكون الدين رحمة فعلًا؟ هل الحرية الدينية أصل في الإسلام؟ هل الخلاف مع الآخر مبرر للصراع؟ وتأتي الإجابات مستندة إلى نصوص القرآن ذاته، بعيدًا عن الشعارات أو الانفعال، مما يمنح الحوار مصداقية وطمأنينة في آن واحد.

ويبدو واضحًا أن الشباب، وهم عماد الأمة القادمة، في حاجة حقيقية إلى هذا النوع من الخطاب، لا بوصفه بديلاً عن الدين، بل بوصفه عودة إلى جوهره. فهم يعانون من إرث فكري ثقيل، تراكم عبر سنوات من التلقين والخطاب الأحادي، الذي لم يترك لهم مساحة للفهم أو السؤال. ولذلك، فإن تفاعلهم مع رسالة السلام لا يعكس مجرد إعجاب عابر، بل تعبيرًا عن حاجة نفسية وفكرية عميقة إلى التحرر من أفكار لم يختاروها بوعي.

من هنا تتجلى أهمية تطوير هذا الحضور من مجرد عرض فكري داخل المعرض إلى مساحات أكثر تفاعلية، مثل ورش العمل الحوارية، واللقاءات المفتوحة، والدوائر النقاشية التي تتيح للشباب التعبير عن تساؤلاتهم، ومناقشة مخاوفهم، وبناء وعيهم الذاتي بصورة تدريجية. فالفكرة حين تُناقش وتُختبر في الواقع تصبح أقدر على التحول إلى سلوك وموقف، لا مجرد معرفة نظرية.

كما يكتسب معرض الكتاب، من خلال هذه التجارب، دورًا يتجاوز الترويج للثقافة إلى الإسهام في بناء الإنسان، وإعادة الثقة في قوة الكلمة والفكرة، في زمن طغت فيه الضوضاء الإعلامية والخطابات المتطرفة. فحين يجد الزائر مساحة تحترم عقله، وتخاطب إنسانيته، يشعر بأن الثقافة لا تزال قادرة على التأثير والتغيير.

إن رسالة السلام، كما تجلت في المعرض، ليست دعوة مثالية أو حالمة، بل مشروع وعي حقيقي، يبدأ من الإنسان، ويستهدف إصلاح علاقته بالله، وبنفسه، وبالآخرين، على أساس من العدل والحرية والرحمة. وهي رسالة تكتسب أهميتها اليوم من واقع عربي مأزوم، يحتاج إلى خطاب يعالج الجذور الفكرية للأزمات، لا أعراضها فقط.

وفي النهاية، يثبت معرض الكتاب أن الثقافة لا تزال قادرة على أن تكون أداة بناء لا ترفًا، وأن الفكر حين يُقدَّم بصدق وعمق يمكنه أن يفتح نوافذ أمل حقيقية، خاصة أمام الشباب. ويؤكد جناح رسالة السلام أن الطريق إلى مستقبل أكثر إنسانية يبدأ بكلمة صادقة، وحوار واعٍ، وإيمان بأن الإنسان خُلق ليكون حرًا، مسؤولًا، ومتعاونًا في صناعة السلام.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى