رغم تسارع وتيرة الحياة وتراجع التواصل بين كثير من الأسر، لا يزال حسن الجوار أحد أهم القيم التي يدعو إليها الإسلام لترسيخ التماسك الاجتماعي وبناء مجتمع يسوده التعاون والرحمة ،فالعلاقة بين الجيران لم تعد مجرد مجاملة اجتماعية، بل مسؤولية أخلاقية ودينية تسهم في نشر الأمن والاستقرار داخل المجتمع.
وأكد الدكتور حسن سليمان، رئيس إذاعة القرآن الكريم الأسبق، أن الإسلام أولى الجار مكانة عظيمة، مستشهدًا بالأحاديث النبوية التي شددت على حفظ حقوقه وكف الأذى عنه، بل والصبر على أذاه عند الحاجة، باعتبار ذلك من مكارم الأخلاق التي تعزز روح التكافل بين أفراد المجتمع.
المبادرة بالخير أساس العلاقة
وأوضح أن بناء علاقة طيبة مع الجيران يبدأ بالمبادرة إلى الإحسان، وليس انتظار الطرف الآخر ليبدأ. فالهدايا البسيطة، وتبادل الطعام، والمشاركة في نظافة المداخل والمرافق المشتركة، كلها مواقف تعكس حسن الخلق وتغرس قيم التعاون، كما أنها تشجع الآخرين على تبادل السلوك الإيجابي.
وأشار إلى أن نشر ثقافة المبادرة بالمعروف يسهم في تقليل الخلافات الاجتماعية ويخلق بيئة يسودها الاحترام المتبادل.
حقوق تختلف.. والمبدأ واحد
وبيّن رئيس إذاعة القرآن الكريم الأسبق أن الشريعة الإسلامية فرّقت بين مراتب الجيران، فهناك الجار المسلم القريب الذي يجتمع له حق الإسلام وحق القرابة وحق الجوار، وهناك الجار المسلم الذي له حق الإسلام والجوار، والجار غير المسلم الذي له حق الجوار، مؤكدًا أن الجميع يستحق المعاملة الحسنة وصون الحقوق، كل بحسب ما قررته الشريعة.
كيف نتعامل مع الجار المؤذي؟
وحول التعامل مع الجار الذي يسيء إلى جيرانه، أوضح أن المسلم مطالب بالإحسان ابتغاء مرضاة الله، لا انتظارًا لرد الجميل، مستشهدًا بسيرة النبي محمد ﷺ في تعامله مع جاره الذي كان يؤذيه، وكيف كان صبره وحسن خلقه سببًا في تغيير موقف هذا الجار وهدايته، في نموذج يعكس قوة الأخلاق في إصلاح النفوس.
الأسرة والمؤسسات.. شراكة في ترسيخ القيم
وشدد الدكتور حسن سليمان على أن غرس قيمة حسن الجوار يبدأ من داخل الأسرة، عبر تعليم الأبناء عمليًا احترام الجيران ومساعدتهم ومشاركتهم في المناسبات المختلفة.
كما أشار إلى أهمية دور المؤسسات الدينية والإعلامية والتعليمية في نشر ثقافة التراحم والتكافل، من خلال البرامج التوعوية والخطاب الديني المعتدل، بما يسهم في بناء مجتمع أكثر تماسكًا وتعاونًا.
رسالة مجتمعية
في ظل التحديات الاجتماعية والاقتصادية، تبقى قيم حسن الجوار من أهم الركائز التي تحافظ على قوة النسيج المجتمعي، فكل مبادرة بسيطة بين الجيران قد تكون بداية لعلاقات إنسانية متينة، تُرسخ معاني الرحمة والتعاون، وتعيد إحياء واحدة من أسمى القيم التي دعا إليها الإسلام.










