اقرأ لهؤلاءتوب ستوري

صفاء دعبس تكتب.. “بين قدسية الدين وحرية الفن.. برشامة يعيد فتح الجدل القديم حول حدود الرسالة السينمائية”

 

“الفن رسالة” عبارة بليغة نشأنا عليها، وتشكل وعينا الجماعي في ظلالها، لقد تعلمنا الكثير، وتشرّبت عقولنا قيماً استثنائية من رسائل أعمال درامية وفنية كبرى حُفرت في الذاكرة؛ فمن منا ينسى الأثر الأخلاقي والتربوي العميق الذي تركه مسلسل “ضمير أبلة حكمت”، أو تجسيد أصالة العائلة والترابط في “الوتد”، أو معاني الوفاء الإنساني والوطني في مسلسل “الأصدقاء”، وليالي الحلميه والمال والبنون وغيرها من الأعمال الدرامية والسينمائية، إلى جانب الأعمال الوطنية التي أسهمت في تشكيل الوعي الجمعي.

 

الفن لم يكن يوماً مجرد وسيلة للترفيه، بل هو مرآة صادقة للمجتمع، تعكس تناقضاته وتفكك طبقاته وتكشف ما يحاول البعض إخفاءه، حتى وإن جاء ذلك في صورة صادمة أو مثيرة للجدل. فهو أداة للتأثير والتغيير، تعيد قراءة الواقع دون تزييف أو تجميل.

 

ومن أبرز أدوار الفن الحقيقي أنه يسلط الضوء على الظواهر السلبية داخل المجتمع، وعلى رأسها النفاق الاجتماعي والصراع الداخلي الذي يعيشه الإنسان بين ما يؤمن به وما يمارسه فعلياً تحت ضغط الواقع، مثل ظاهرة الغش رغم إدراك خطورتها وحكمها الأخلاقي والديني.

 

وفي خضم الجدل الذي أثاره فيلم “برشامة” بطولة هشام ماجد، بسبب توظيف بعض الرموز والمفاهيم الدينية داخل سياق كوميدي، عاد النقاش القديم المتجدد إلى الواجهة حول العلاقة الشائكة بين حرية الإبداع الفني من جهة، وحدود الاقتراب من المقدس الديني من جهة أخرى، وهي معادلة لطالما أثارت انقساماً واسعاً في الأوساط الثقافية والإعلامية.

 

فالبعض يرى أن استخدام الرموز الدينية داخل الأعمال الفنية بشكل غير مباشر يمثل تجاوزاً للخطوط الحمراء، ويخلط بين ما هو روحي مقدس وما هو فني قابل للتأويل، مؤكدين أن المقدس ينبغي أن يبقى في مكانته العليا بعيداً عن التوظيف الدرامي أو الكوميدي أو صراعات السوق السينمائي، لأن الفن مهما بلغت جرأته يظل مجالاً للتعبير الإنساني لا للتماس مع الثوابت.

 

وتدور أحداث فيلم “برشامة” حول ظاهرة الغش الجماعي داخل لجان الامتحانات، حيث يرى المدافعون عنه أن العمل يقدم رسالة اجتماعية مهمة، ويستخدم الكوميديا كأداة لتسليط الضوء على أزمة حقيقية داخل المجتمع

إلا أن هذا التبرير لم ينهِ الجدل، بل فتح الباب أمام تساؤلات أوسع حول حدود التعبير الفني، وما إذا كان الهدف الاجتماعي يبرر الاقتراب من الرموز الدينية.

 

وفي المقابل، يرى آخرون أن الفن يجب أن يظل مستقلاً عن أي توظيف ديني مباشر أو غير مباشر، وأن معالجة القضايا الاجتماعية يمكن أن تتم بعمق وجرأة دون الحاجة إلى الاقتراب من مناطق شديدة الحساسية.

 

واخيرا.. يبقى الجدل قائماً بين مدرستين: مدرسة ترى أن الفن مساحة مفتوحة بلا قيود سوى الوعي، وأخرى تؤكد ضرورة وضع خطوط فاصلة تحمي المقدس من التداخل مع الترفيه. وبين هذا وذاك، يظل التوازن بين حرية الإبداع واحترام الثوابت هو التحدي الأصعب في المشهد الفني المعاصر.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى