في اللحظة التاريخية الراهنة التي يعيش فيها العالم العربي مخاضًا فكريًا وثقافيًا حادًا، وتواجه فيها الهوية العربية تحديات العولمة من جهة، ومخاطر الغلو والتحلل من جهة أخرى، برزت الحاجة الماسة إلى دبلوماسية ثقافية وفكرية قادرة على ردم الفجوات، وبناء جسور متينة من التواصل المعرفي بين مشرق العالم العربي ومغربه. ومن هذا المنطلق الواعي بمتطلبات العصر، وفي النصف الأول من عام 2026، بدأت بعثة «مؤسسة رسالة العالمية»، بالتعاون الوثيق مع «المكتبة الرقمية للشرفاء الحمادي»، زيارة استراتيجية رفيعة المستوى إلى الجمهورية التونسية، مهد الحراك الفكري الإقليمي، وأرض القيروان وجامعة الزيتونة الضاربة في أعماق التاريخ الإسلامي والتنويري.
حافلة تنويرية
إن هذه الزيارة التي قادها ثلاثة من مؤسسة رسالة السلام العالمية وهم الباحث محمد فتحي الشريف، والباحث الحاج محمد الامين والباحث حي معاوية حسن، لم تكن مجرد جولة بروتوكولية، بل كانت بمثابة تدشين لـ«حافلة تنويرية» عابرة للحدود، حملت في طياتها رؤية فكرية رصينة صاغ معالمها المفكر العربي الكبير الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي. هذه الرؤية المرتكزة على تنقية الخطاب الإسلامي من الشوائب، وتأصيل مفاهيم الرحمة العالمية، وإرساء قيم التعايش الإنساني وقبول الآخر، تلاقت بالكامل مع التطلعات الأكاديمية والدبلوماسية والسياسية للرموز والمؤسسات التونسية، لتصنع معًا حراكًا تنويريًا امتد على مدار أيام من النقاشات المعمقة، والبروتوكولات العلمية المستدامة، والإهداءات الفكرية القيمة.
في هذا التقرير الشامل والموسع، نستعرض تفاصيل هذه الجولة التاريخية عبر أربعة محاور رئيسية؛ تفكك اللقاءات الرسمية، وتكشف مضامين الاتفاقيات وبروتوكولات التعاون العلمية المشتركة، وترصد الإهداءات المعرفية من كتب ومجلات وإصدارات للمفكر علي الشرفاء الحمادي، وتوثق التكريمات والدروع التذكارية التي تم تبادلها كرموز للسيادة الفكرية والتعاون المشترك.
دبلوماسية الفكر وسلطة الوعي
شهدت العاصمة التونسية سلسلة من الاجتماعات واللقاءات الرفيعة التي جمعت وفد المؤسسات التنويرية، الذي ضم إلى جانب الأستاذ محمد فتحي الشريف، كلًا من الباحث حي معاوية حسن، مسؤول “مؤسسة رسالة السلام” في موريتانيا والمغرب العربي، والحاج محمد الأمين، مسؤول المؤسسة في إسبانيا والاتحاد الأوروبي. وتميزت هذه اللقاءات بتنوعها بين الشق الدبلوماسي، والسياسي التنموي، والإعلامي، والأكاديمي، بما يعكس شمولية الرؤية التنويرية للمركز والمؤسسة.
خريطة لقاءات وفد “مؤسسة رسالة السلام” والمكتبة الرقمية للشرفاء الحمادي في تونس، شملت العديد من الزيارات والمقابلات مع شخصيات من مشارب فكرية مختلفة، كان من بينها ما هو دبلوماسي؛ مثل استقبال السفارة المصرية وتنسيق الحراك المعرفي العربي المشترك، وما هو أكاديمي مثل لقاء قيادات مجمع اللغة العربية وباحثي مخبر اللسانيات بجامعة منوبة، وقيادات جامعة الزيتونة، إضافة للشق الإعلامي والتنموي من خلال التباحث مع اتحاد إذاعات الدول العربية ووزارة السياحة التونسية، وزيارة مؤسسة “سيدة الأرض” لبحث قضية القدس والهوية العربية ولقاءات مع قيادات المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو).
لقاء رسالة السلام و “سيدة الأرض.. القدس “وبرتوكول تعاون
في مستهل اللقاءات ضمن برنامج الزيارة الرسمي والموسع، وفي إطار الاهتمام بالقضايا العربية القومية، التقى أعضاء الوفد بالدكتور كمال الحسيني، رئيس مؤسسة «سيدة الأرض.. القدس»، في العاصمة التونسية.
وتناول هذا الاجتماع المهم سبل تفعيل التعاون المعرفي المشترك، ودعم قضايا الهوية العربية، وفي مقدمتها قضية القدس وفلسطين، عبر تعزيز قيم التنوير والحوار الثقافي الدولي. وأكد وفد رسالة السلام خلال اللقاء، على أهمية ترسيخ الحضور الثقافي العربي ونشر قيم الحوار يمثلان خط الدفاع الأول عن قضايا الأمة العربية وحماية أواصر التعاون المشترك بين شعوبها ومؤسساتها الفكرية والنضالية.
برتوكول رباعي (مؤسسة رسالة السلام – مركز العرب – المكتبة الرقمية للشرفاء الحمادي – المنظمة التونسية للتربية والأسرة).
وفي خطوة استراتيجية تهدف إلى تعزيز العمل الثقافي والتربوي المشترك في الوطن العربي، استقبلت المنظمة التونسية للتربية والأسرة برئاسة الأستاذ محمود مفتاح، وفد المؤسسة وذلك بمقر المنظمة بالعاصمة التونسية، حيث توج اللقاء بتوقيع بروتوكول تعاون مشترك وشامل بين الأطراف الاربعة (مؤسسة رسالة السلام – مركز العرب – المكتبة الرقمية للشرفاء الحمادي – المنظمة التونسية للتربية والأسرة).
ويهدف بروتوكول التعاون الموقّع إلى إرساء شراكة معرفية وثقافية مستدامة، تركز على تنظيم الفعاليات والمؤتمرات المشتركة، ودعم البرامج التربوية والتوعوية التي تستهدف الأسرة والشباب العربي. كما يركز البروتوكول على نشر ثقافة التسامح والتعايش الإنساني، وتوفير المرجعيات الفكرية الرصينة التي تحصّن الوعي المجتمعي ضد الأفكار الهدامة والمشوهة.
وفي كلمته خلال مراسم التوقيع، رحب الأستاذ محمود مفتاح، رئيس المنظمة التونسية للتربية والأسرة، بوفد المؤسسة، مشيداً بالدور التنويري والريادي الذي تلعبه مؤسسة “رسالة السلام” و”مركز العرب” على الساحة العربية والدولية.
وأكد مفتاح أن هذا التعاون يمثل رافداً حقيقياً يخدم الأهداف التربوية والثقافية للمنظمة، ويسهم في بناء جيل واعٍ متمسك بهويته وقادر على مواجهة التحديات المعاصرة.
من جانبه، أكد محمد فتحي الشريف أن هذا البروتوكول يترجم الرؤية الحكيمة للمفكر العربي الأستاذ علي الشرفاء الحمادي، والتي تؤمن بأن التربية والثقافة هما الركيزتان الأساسيتان لبناء المجتمعات المستقرة.
وأوضح الشريف أن التكامل بين المؤسسات البحثية والمنظمات التربوية هو السبيل الأمثل لترسيخ قيم التعايش والسلام كمنطلق أساسي للتقارب بين الشعوب.
تكريم من رسالة السلام والمكتبة الرقمية للشرفاء الحمادي
وعلى هامش توقيع الاتفاقية، بين وفد مؤسسة رسالة السلام الاستاذ محمود مفتاح رئيس المنظمة التونسية للتربية والاسرة قدم محمد فتحي الشريف وحي معاوية والحاج محمد الامين درع “المكتبة الرقمية للشرفاء الحمادي” وشهادة الانضمام للمكتبة ومركز العرب تقديراً لجهودهم المجتمعية والتربوية.
كما أهدى الوفد للمنظمة مجموعة قيّمة من المؤلفات والإصدارات الفكرية للمفكر علي الشرفاء الحمادي، وفي مقدمتها كتاب “التعايش”، إلى جانب أحدث أعداد مجلة “العرب للأبحاث والدراسات”، الطبعة العربية والدولية وسط إشادة متبادلة بأهمية تفعيل بنود هذا البروتوكول على أرض الواقع في القريب العاجل.
في رحاب الدبلوماسية
في مستهل اللقاءات الرسمية، استقبل السفير باسم حسن، سفير جمهورية مصر العربية لدى الجمهورية التونسية، بمقر السفارة، الوفد رفيع المستوى. وكان هذا اللقاء بمثابة اعتراف رسمي بأهمية الدبلوماسية الثقافية التي تقودها المراكز البحثية والمؤسسات الفكرية في تدعيم العلاقات الأخوية بين الدول العربية.
تناول اللقاء المعمق استعراضًا شاملًا لأنشطة “مؤسسة رسالة السلام العالمية” والمكتبة الرقمية للشرفاء الحمادي على الساحتين العربية والدولية، مع التركيز على دور هذه المؤسسات في تفكيك الفكر المتطرف، ومحاربة خطابات الغلو، ونشر ثقافة التعايش السلمي. وقدم الأستاذ محمد فتحي الشريف للسفير شرحًا وافيًا حول المشروع الفكري التنويري للمؤسسة، القائم على إبراز قيم الرحمة والعدالة الإنسانية المستمدة مباشرة من النص القرآني الشريف.
ومن جانبه، أعرب السفير باسم حسن عن ترحيبه الشديد بوفد المؤسسة، مشيدًا بالجهود الكبيرة والملموسة التي تبذلها “مؤسسة رسالة السلام” والمكتبة الرقمية للشرفاء الحمادي في إثراء المكتبة العربية بالإصدارات الفكرية الرصينة، ومؤكدًا أن مثل هذه المبادرات تسهم بشكل حقيقي في بناء وعي مستنير يحمي الأجيال القادمة، ويدعم ركائز الاستقرار والأمن الفكري في المنطقة العربية برمتها.
التبادل الفكري مع قيادات المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو)
في محطة بحثية وإقليمية بالغة الأهمية، عقد وفد المؤسسة سلسلة من اللقاءات المكثفة بمقر المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو) في تونس العاصمة. وقد استقبل الدكتور عبد الحق حايف، مدير مكتب المدير العام للمنظمة، الوفد نيابة عن الدكتور محمد ولد أعمر، المدير العام لـ”الألكسو”. وشهد هذا اللقاء تباحثًا عميقًا حول آليات نشر الثقافة التنويرية على مستوى الدول الأعضاء في المنظمة، وسبل دمج المفاهيم المعتدلة في المناهج التربوية والثقافية لمواجهة التمدد الفكري للجماعات المتطرفة.
كما التقى الوفد بالوزير المفوض بجامعة الدول العربية ومدير إدارة التربية بالمنظمة الدكتور رامي إسكندر، والدكتور أحمد الجلال مدير الشؤون المالية والإدارية بالمنظمة، والأستاذة نسرين غنيم مسؤولة العلاقات الخارجية بالمنظمة. وتوجت هذه اللقاءات بجلسة عمل موسعة ومعمقة مع الأستاذ الدكتور محمد سند أبو درويش، مدير إدارة العلوم والبحث العلمي بالمنظمة.
وتركزت النقاشات في هذه الجلسة، على كيفية تسخير البحث العلمي والدراسات الإنسانية واللسانية لتفكيك الفكر المتطرف، وتطوير منصات بحثية عربية مشتركة تدعم الفكر التنويري القائم على الحوار والتعايش السلمي. وأكد الدكتور أبو درويش خلال اللقاء، أن أبواب إدارة العلوم والبحث العلمي في “ألكسو” مفتوحة دائمًا لدعم مثل هذه المبادرات الفكرية الرصينة التي تخدم الهوية العربية، وتدفع بعجلة البحث العلمي نحو مستقبل أكثر انفتاحًا واستقرارًا.
وفد رسالة السلام وقيادات جامعة الزيتونة العريقة
كما التقى الوفد بقيادات جامعة الزيتونة وفي مقدمتهم رئيس الجامعة الأستاذ الدكتور عبد اللطيف بوعزيزي، والأستاذ الدكتور رشيد طباخ، نائب رئيس جامعة الزيتونة العريقة، وذلك في إطار جولة المؤسسة المعرفية لمد جسور التواصل مع القامات الأكاديمية والمؤسسات الفكرية الكبرى في العالم العربي.
وشهد اللقاء نقاشًا فكريًا ومعرفيًا عميقًا تمحور حول أطروحات ومؤلفات المفكر العربي الكبير الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي. وأشاد الدكتور رشيد طباخ بالعمق الفلسفي والمنهجية الرصينة التي تميز كتابات الشرفاء، لاسيما كتاب “التعايش” وسلسلة إصداراته التنويرية التي تبحث في جذور الخطاب المعرفي وتدعو إلى إعلاء قيم العقل والتدبر.
وبدوره أكد الدكتور طباخ، من واقع الخلفية الأكاديمية لجامعة الزيتونة كمنارة تاريخية للفكر الإسلامي الوسطي، أن الأمة الإسلامية بحاجة ماسة اليوم إلى مثل هذه القراءات التجديدية التي تقدم سماحة الدين وجوهره الإنساني البعيد عن الغلو والتعصب، مشيرًا إلى أن إصدارات الشرفاء الحمادي تسهم بفعالية في تفكيك المفاهيم المغلوطة وتقديم بدائل معرفية تخاطب عقول الشباب بلغة العصر.
الشريف يستعرض منهج رسالة السلام وافكار الشرفاء الحمادي
من جانبه، استعرض الأستاذ محمد فتحي الشريف المرتكزات الفلسفية والمعرفية التي يقوم عليها المشروع الفكري للأستاذ علي الشرفاء الحمادي، موضحًا أن الهدف الأساسي هو إحداث ثورة تنويرية تصحح المسار المعرفي وتجعل من قيم السلام والمحبة ركيزة أساسية لاستقرار المجتمعات.
وأعرب الشريف عن اعتزاز المؤسسة بالنقاش المثمر مع قامة أكاديمية مرموقة كالدكتور رشيد طباخ، معتبرًا أن تلاقي الرؤى بين الحراك الميداني لـ”رسالة السلام” وبين العمق الأكاديمي لجامعة الزيتونة يمثل دفعة قوية لمعركة الوعي وبناء الإنسان العربي المعاصر على أسس متينة من العلم والاعتدال.
وفي ختام هذا اللقاء المعرفي المتميز، وقوفًا على قيم التقدير المتبادل، قدم وفد مؤسسة رسالة السلام ومركز العرب للدكتور رشيد طباخ باقة من أحدث مؤلفات وإصدارات المفكر علي الشرفاء الحمادي، إلى جانب النسخ الأخيرة من مجلة “العرب للأبحاث والدراسات”، بالإضافة إلى اطلاعه على آليات وأقسام المكتبة الرقمية للمؤسسة.
الإعلام والتنوير: مباحثات مع اتحاد إذاعات الدول العربية (إسبو)
انطلاقًا من الإدراك العميق بأن الفكر التنويري بحاجة إلى أجنحة إعلامية قوية تحمله إلى الجماهير، التقى وفد مؤسسة رسالة السلام وهم محمد فتحي الشريف وحي معاوية والحاج محمد الامين بالمهندس عبد الرحيم سليمان، المدير العام لاتحاد إذاعات الدول العربية (إسبو)، بمقره في العاصمة التونسية. وبحث الطرفان سبل تعزيز التعاون الإعلامي والفكري المشترك، وآليات تفعيل دور الإعلام المرئي والمسموع والرقمي في دعم قضايا التنوير وبناء الوعي العربي العام.
وأطلع الشريف مدير عام الاتحاد على الرؤية الاستراتيجية لمؤسسة رسالة السلام والمكتبة الرقمية للشرفاء الحمادي ومركز العرب، مستعرضًا إسهامات المركز البحثية وإصداراته المتنوعة التي تسعى لتقديم تحليلات موضوعية ومعمقة حول القضايا الإقليمية والدولية، بما يخدم مجالات صناعة القرار والرأي العام العربي. كما سلط الضوء على مشروع المكتبة الرقمية للشرفاء الحمادي، وما تضمنته مؤخرًا من إطلاق مشروعات نوعية كـ«الأوديو بوك» (الكتاب الصوتي)، مستعرضًا دور هذه المنصة الرقمية في رقمنة الإرث الثقافي وإتاحته للإعلاميين والمثقفين بما يواكب التطور التكنولوجي المتسارع.
ورحب المهندس عبد الرحيم سليمان بهذه الرؤية، مؤكدًا أن اتحاد إذاعات الدول العربية يولي اهتمامًا كبيرًا بدعم وتطوير المحتوى الإعلامي الذي يحمل رسائل تنويرية هادفة، مشيرًا إلى أهمية التكامل بين المراكز البحثية والمؤسسات الإعلامية لتقديم رسالة متوازنة وقادرة على مواجهة التحديات الفكرية الراهنة.
القوة الناعمة والتنمية: لقاء وزير السياحة التونسي سفيان تقية
في سياق استكشاف أبعاد جديدة للتكامل بين الثقافة والتنمية، التقى وفد المؤسسة، الباحث محمد فتحي الشريف والحاج محمد الأمين، بالسيد سفيان تقية، وزير السياحة التونسي. وتركز اللقاء حول سبل دعم “السياحة الثقافية والمعرفية” بين تونس ومحيطيها الإقليمي والعربي، والتعريف بالهوية الحضارية العربية عبر النوافذ السياحية والفكرية.
واستعرض الشريف أمام الوزير استراتيجية منهج مؤسسة “رسالة السلام العالمية” والمكتبة الرقمية للشرفاء الحمادي، ومركز العرب مبينًا كيف يمكن للمنصات الرقمية والمعرفية أن تسهم في إبراز الصورة الحضارية المشرقة للمنطقة العربية والإسلامية.
ومن جانبه، ثمن الوزير التونسي هذه الجهود الكبيرة، مؤكدًا الأهمية البالغة للتكامل بين الأبعاد السياحية والثقافية، ومشيرًا إلى أن تونس تفتح أبوابها دائمًا للمبادرات التي تسهم في مد جسور التواصل المعرفي والإنساني بين الشعوب العربية، مستندة إلى القوة الناعمة للمؤسسات الفكرية في دعم التنمية الشاملة.
الاتفاقيات وبروتوكولات التعاون.. مأسسة الفكر المستدام
لم تقف جولة وفد “مؤسسة رسالة السلام” عند حدود المباحثات الشفهية واللقاءات الودية؛ بل سعت بقوة نحو مأسسة هذا التعاون الثقافي وتحويله إلى مشروعات علمية مستدامة وقابلة للتنفيذ على أرض الواقع الأكاديمي. وتمثل هذا التوجه في محطة نجاح بارزة حظيت باهتمام الأوساط الأكاديمية التونسية، حيث وقّع الوفد مجموعة من برتوكولات التعاون؛ وكانت كالتالي:
بروتوكول تعاون مع جامعة منوبة ومجمع اللغة العربية
وقّع الوفد الزائر بروتوكول تعاون مع جامعة منوبة خلال زيارته لكلية الآداب ومخبر اللسانيات، حيث يجسد هذا البروتوكول الموقّع توأمة بحثية فريدة بين القوة الناعمة الفكرية المستقلة والمؤسسات الأكاديمية العريقة؛ إذ يمثل الطرف الأول بوابات رائدة في صناعة الوعي وبناء الفكر المستنير ورقمنه التراث المعرفي، ممثلًا في مؤسسة “رسالة السلام”، و«مركز العرب للأبحاث والدراسات» بذراعه التحليلية والنشر، و«المكتبة الرقمية للشرفاء الحمادي» بمنصاتها التكنولوجية المتطورة، و«مؤسسة رسالة السلام العالمية» الحاملة لرسالة التجديد. وفي المقابل، تمثل الطرف الثاني إحدى أهم قلاع الفكر الإنساني واللساني في المغرب العربي، وهي كلية الآداب والفنون والإنسانيات بجامعة منوبة التونسية، معززة بمخبر اللسانيات للدراسات العليا الذي يرأسه القامة العلمية الأستاذ الدكتور عبد السلام عيساوي عضو مجمع اللغة العربية بتونس. هذا التنوع والزخم الأكاديمي للأساتذة والباحثين التونسيين الحاضرين في اللقاء، يمنح الاتفاقية غطاءً علميًا رصينًا يضمن تحويل الأفكار التنويرية إلى أطروحات ومناهج بحثية خاضعة لأعلى معايير النقد والتحليل اللساني الأكاديمي، بما يضمن صياغة محتوى معرفي يتسم بالعمق والديمومة وقابلية التداول في الأوساط الجامعية الدولية.
المنهجية العلمية والآليات اللسانية لتفكيك خطابات الغلو
يرتكز المحور الاستراتيجي لهذا البروتوكول على توظيف “علم اللسانيات الحديث” بمختلف تفريعاته التحليلية والدلالية كأداة تشريحية لتفكيك بنية الخطابات المتطرفة التي أنتجتها جماعات الإسلام السياسي والغلو الفكري عبر عقود، وتتضمن تفاصيل هذا الشق إطلاق مشروعات بحثية مشتركة تعتمد على “تحليل الخطاب” (Discourse Analysis) و”تتبع التطور الدلالي والمفاهيمي” للمصطلحات التي تم اختطافها وتشويهها من قِبل المتطرفين، وإعادتها إلى سياقها القرآني والإنساني النقي المنسجم مع رؤية المفكر العربي الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي. ومن خلال هذا التعاون، سيعمل باحثو مخبر اللسانيات بجامعة منوبة على دراسة النصوص الفكرية والتراثية وتنقيتها من التأويلات المسيسة، وتبيان كيف تسهم علوم اللغة العربية – عند استخدامها بمنهجية موضوعية – في إبراز قيم الرحمة العالمية، والحرية المسؤولة، والمواطنة، وحرية الاعتقاد، مما يضع أمام الباحثين والشباب دليلًا علميًا لغويًا يدحض حجج واهيات الفكر الظلامي، ويحرم جماعات الغلو من استغلال العاطفة الدينية والنصوص المجتزأة من سياقها الحقيقي.
ولا تقف بنود هذا البروتوكول عند حدود المعالجات النظرية؛ بل تضع خريطة طريق تنفيذية لإنتاج ونشر دراسات تخصصية ومؤلفات دورية تسهم في تعزيز الأمن الثقافي القومي؛ حيث يشمل الاتفاق تنظيم ندوات علمية مشتركة، ومؤتمرات دولية تحتضنها العاصمة التونسية والقاهرة، لمناقشة قضايا التجديد والإصلاح المعرفي. كما يتضمن البروتوكول إطلاق مشروعات نوعية رائدة تدرس العلاقة بين فهم النص القرآني واللهجات العربية المعتمدة، وتتبع جذورها الفصحى وتطورها الاجتماعي، بما يسهم في ترسيخ اللحمة الثقافية وتكامل الهوية بين المشرق والمغرب العربي. وسيتم توثيق ورفع جميع هذه البحوث والدراسات المشتركة والندوات المصورة عبر “المكتبة الرقمية للشرفاء الحمادي”، لتكون متاحة بصيغ رقمية وصوتية متطورة لكل الباحثين حول العالم، مما يضمن صناعة حراك تنويري مستدام يتجاوز الحدود الجغرافية، ويؤسس لجيل جديد من الأكاديميين القادرين على قيادة قاطرة التنوير وبناء مجتمعات عربية قائمة على الوعي والتعايش السلمي.
حفاوة كبيرة بفكر الشرفاء الحمادي
حظي الفكر التنويري للمفكر العربي الكبير الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي، بإشادة بالغة وترحيب واسع من الدكتور عبد السلام عيساوي والأساتذة الحضور بمخبر اللسانيات، والذين أبدوا حماسًا كبيرًا للمشروعات البحثية التي طرحها البروتوكول الموقّع. وتضمنت خطة العمل الأكاديمية المنبثقة عن الاتفاقية محاور عدة؛ أبرزها صياغة أبحاث متخصصة تربط بين علوم اللغة العربية واللسانيات الحديثة وفهم النص القرآني الشريف بعيدًا عن التأويلات المسيسة أو المتطرفة، انطلاقًا من الرؤية المنهجية التي يطرحها المفكر علي الشرفاء الحمادي في مؤلفاته.
إضافة إلى ذلك، جرى النقاش حول إطلاق مشروع علمي وبحثي موسع يعنى بـ«اللهجات العربية المعتمدة» وتتبع جذورها الفصحى وتطورها الدلالي والاجتماعي في المغرب والمشرق العربي، مما يسهم في تعزيز وحدة الهوية اللغوية العربية، إضافة إلى دمج الطروحات الفلسفية لكتاب «التعايش» الصادر عن دار “مركز العرب للنشر والتوزيع”، والذي صاغ فيه الأستاذ علي الشرفاء معادلة فكرية تؤكد أن “السلام الحقيقي هو المحرك الأساسي لصناعة التعايش والتقارب بين الشعوب”، مع التوجهات الأكاديمية لمخبر اللسانيات بجامعة منوبة، والذي يمتلك أجندة حافلة بالفعاليات والندوات الدولية التي تركز على تعزيز قيم المواطنة وثقافة التعايش الإنساني.
تنشئة جيل جديد على قيم الإسلام المستنير
بدوره، شدد البروفيسور عبد السلام عيساوي، عقب توقيع البروتوكول، على الأهمية البالغة لصياغة مشروع ثقافي وتربوي عربي مشترك يركز على «كيفية تنشئة وتربية الأطفال والجيل الجديد على قيم الإسلام الصحيح المستنير، وبناء وعيهم على ثقافة التعايش الحقيقية»، مؤكدًا أن جامعة منوبة تضع جميع إمكاناتها العلمية والأكاديمية لإنجاح هذا التعاون الثقافي الكبير والمستدام.
بذور التنوير في المكتبة التونسية
لم تكن الإهداءات المعرفية التي قدمها وفد الحركة التنويرية لرموز ومؤسسات الدولة التونسية مجرد مبادرة بروتوكولية عابرة؛ بل تمثلت في تقديم منظومة فكرية متكاملة ومتشابكة صاغ معالمها المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي، إلى جانب الطبعات الدولية والعربية من «مجلة العرب للأبحاث والدراسات»؛ لتشكل مجتمعةً رافدًا تحليليًا يسعى لإعادة بناء الوعي وحماية السيادة المعرفية. وتكتسب هذه الإصدارات عمقها من خلال قدرتها على تقديم معالجات نسقية فككت أزمات العقيدة والتعايش والإصلاح الديني في بنيتها العميقة، وهو ما تجلى بوضوح في الأطروحات الأربعة التي تضمنتها هذه الإهداءات.
فمن منظور “الإصلاح الهيكلي لبنية الخطاب الديني”، يبرز كتاب «وثيقة في الإسلام» كركيزة أولى تهدف إلى إعادة تأصيل مفاهيم المرجعية القرآنية الحاكمة وحرية الاعتقاد، عبر تخليص الفكر الإسلامي من الروايات التفسيرية المسيسة التي أُقحمت عليه وتسببت في تشظي الأمة. ويلتقي هذا الطرح تنظيريًا وسياقيًا مع كتاب «رسالة الإسلام.. رحمة وحرية وعمل وسلام»، الذي يتولى الجانب التشريحي في تفكيك خطابات الغلو والتعصب؛ إذ يعيد إبراز البُعد الإنساني للرسالة الإلهية، مبرهنًا على أن قيم الإنتاج البشري، والحرية المسؤولة، والسلام الاجتماعي، هي مقاصد الشريعة الجوهرية التي غيبتها الآيديولوجيات المتطرفة.
وفي سياق “بناء الجسور الإنسانية العابرة للمذاهب والأديان”، يتقدم كتاب «القرآن يشهد بصحة العقيدة المسيحية» ليمثل قفزة شجاعة ونوعية في لاهوت الحوار والتقارب بين الأديان والثقافات؛ حيث يعتمد المؤلف على نصوص القرآن المحكمة لإثبات المودة الإلهية الموجهة لأهل الكتاب، ونبذ أطروحات الصراع الديني والتكفير. وتتوج هذه المنظومة الفكرية في كتاب «التعايش»، الذي يتجاوز حدود الطرح الديني المباشر ليصيغ “معادلة فلسفية واجتماعية شاملة” تؤسس للوئام والتقارب بين شعوب المشرق والمغرب العربي؛ معتبرًا أن السلام الحقيقي والاعتراف المتبادل بالهويات هما المحركان الأساسيان لبناء كتلة عربية مستنيرة قادرة على مواجهة تحديات العصر، وحماية مجتمعاتها من التآكل الداخلي والغزو الفكري.
وحرص الوفد على إهداء باقة من أبرز إبداعات وإصدارات المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي إلى جميع الشخصيات والمنظمات التي تم الالتقاء بها، وفي مقدمتها السفير المصري باسم حسن، وقيادات منظمة “ألكسو”، ووزير السياحة التونسية، ومجمع اللغة العربية وجامعة منوبة. وتبرز هذه الكتب الرؤية التنويرية للمؤسسة التي تسعى لتأصيل مفاهيم الحرية والمسؤولية والعمل والوئام الإنساني، استنادًا إلى النص القرآني الذي يدعو إلى الرحمة العالمية والتقارب بين الأديان والثقافات.
كتاب «وثيقة في الإسلام»
يمثل هذا الكتاب مراجعة فكرية ومنهجية مهمة تسعى لإعادة المسلمين إلى نبع القرآن الكريم الصافي كمرجعية أولى وأساسية، والتحذير من الروايات والخطابات التي أُقحمت على الدين الإسلامي وأسهمت في تمزيق وحدة الأمة وتشويه صورتها أمام العالم، مؤصلًا لمفهوم الحرية والعدالة والمواطنة في الدولة الحديثة.
كتاب «رسالة الإسلام.. رحمة وحرية وعمل وسلام»
يسلط هذا المؤلف الضوء على المقاصد الحقيقية للشريعة الإسلامية، مبينًا أن الإسلام في جوهره رسالة إنسانية عالمية تدعو إلى السلام والتعايش، وتحث على العمل والإنتاج وبناء المجتمعات، نافيًا عن الدين تهم الإرهاب والتعصب الأعمى التي روجت لها جماعات الغلو السياسي والديني.
كتاب «القرآن يشهد










