
عقد الجامع الأزهر، اللقاء الأسبوعي لملتقى الأزهر للقضايا المعاصرة، تحت
عنوان: “وقفات مباركة مع سورة الحج“،
بحضور: أ.د/ حمدي الهدهد، عميد كلية البنات الأزهرية بالعاشر من رمضان، وأ.د/ محمد
صلاح، رئيس قسم أصول الفقه بكلية الشريعة والقانون – جامعة الأزهر، وأدار الملتقى
الأستاذ/ محمد جمعة، المذيع بإذاعة القرآن الكريم.
في بداية الملتقى، أكد الدكتور/ حمدي الهدهد أن سورة الحج تُعدُّ السورة
الوحيدة في القرآن الكريم التي سُمِّيت باسم ركن من أركان الإسلام، ومن أراد أن
يتعلم معنى القصد والتوجه إلى الله تعالى فعليه أن يتدبر آيات سورة الحج؛ لأنها
تقوم على معاني الإخلاص والاتجاه إلى الله، كما اشتملت على أكثر من عشرين اسمًا من
أسماء الله الحسنى، وأول اسم ورد في السورة هو اسم الله “الحق” في قوله
تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ}؛ ولذلك فإن السورة تدور حول بيان
الصراع الدائم بين الحق والباطل، وبين أهل اليقين وأهل الشك، مضيفًا أن لفظ
“الناس” تكرر في السورة أربع عشرة مرة، وهو ما يعكس عالمية رسالة الحج
وارتباطها بالبشر جميعًا. كما أن السورة تضمنت ثلاثة نداءات عامة للناس، جاءت في
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ
السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ}، وقوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ
فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ}، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا
لَهُ}. وهذه النداءات تؤكد أن الحج شعيرة جامعة للبشرية كلها؛ لأن الحج يحمل صورة
مصغرة لمشاهد يوم القيامة، بما فيه من اجتماع الناس وحركتهم وازدحامهم، وهو ما
يرسخ في النفس معاني التذكير بالآخرة، والاستعداد للقاء الله تعالى.
وبَيَّنَ عميد كلية البنات الأزهرية بالعاشر من رمضان، أن سورة الحج رسخت
مبدأ تحقيق التوحيد من خلال ترسيخها لمعنى اسم الله “الحق”، وهذا الاسم
يمثل محورًا أساسيًّا تدور حوله السورة الكريمة، كما في قوله تعالى: {ذَلِكَ
بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ
الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ}؛ حيث تؤكد الآية أن الله
سبحانه هو الحق المطلق، وأن كل ما سواه زائل وضعيف. كما أبرزت مظاهر كمال الله
تعالى وصفاته التي تدعو العبد إلى توحيده والإيمان به، فبيَّنت قدرته المطلقة في
قوله سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ}، وشمول علمه وإحاطته بخلقه في
قوله تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ
وَالْأَرْضِ}. كما أكدت أنه سبحانه السميع البصير في قوله: {إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ
بَصِيرٌ}، وأنه القوي العزيز القادر على نصر عباده؛ كما في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ
لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}. كما أن السورة تبني في قلب المؤمن اليقين بعظمة الله تعالى
وكمال صفاته؛ بما يعزز معاني التوحيد والخضوع لله وحده.
من جانبه، أكد الدكتور/ محمد صلاح، أن سورة الحج تحمل رسالة عظيمة تؤكد أن
أنوار الحج وآثاره الإيمانية لا تتوقف عند أداء المناسك فقط، بل تمتد إلى حياة
الإنسان كلها، كما أن تكرار لفظ “الناس” في السورة يوضح أن رسائلها ليست
موجهة للحجيج وحدهم، وإنما للبشر جميعًا، والمتأمل في السورة يجد أنها تعيد بناء
شخصية الإنسان، من خلال ما تحمله من معاني التجرد والخضوع لله تعالى، والحاج حين
يتجرد من ثيابه المعتادة ويلبس لباس الإحرام البسيط، فإن ذلك يرمز إلى ضرورة تخلي
الإنسان عن كثير من الأثقال المعنوية والذنوب والظنون السيئة؛ حتى يعيش حقيقة
التقوى وروحانية العبادة.
وأضاف رئيس قسم أصول الفقه بجامعة الأزهر، أن التقوى التي تحدثت عنها سورة
الحج ليست مقصورة على من وقف بعرفات، وإنما هي رسالة لكل مسلم يتقي الله سبحانه
وتعالى في أقواله وأفعاله، مؤكدًا أن السورة اشتملت على العديد من المعاني التي
تسهم في بناء الشخصية المسلمة وفق المنهج الذي يريده الله تعالى، من تعظيم شعائر
الدين، والمحافظة على الصلاة والصيام، وبر الوالدين، وفعل الخير، وترك المعاصي.
كما أن السورة تدعو الإنسان إلى التجرد من الصفات والسلوكيات المذمومة، ومن أبرزها:
الحديث في دين الله بغير علم، تمامًا كما يتجرد الحجيج من المخيط؛ ليعود الإنسان
أكثر صفاء وقُرْبًا من الله تعالى.










