وصل أمس الجمعة الوفد الأمريكي والإيراني إلى إسلام أباد، العاصمة الباكستانية، بعد أن نجحت الوساطة الباكستانية والمصرية والتركية في الوصول إلى مبادرة من عشر نقاط، وافق عليها كل من الرئيس الأمريكي وإيران، و أعلنت الإدارة الأمريكية الموافقة عليها في اللحظات الأخيرة قبل الساعة 8:00 مساء الثلاثاء، عندما توقفت أنفاس الجميع في العالم كله انتظارا لتنفيذ تهديد الرئيس الأمريكي بتحويل إيران إلى العصر الحجري.
ودائما نقول إن الحرب والقتال لا يحلان المشاكل، وأن اتفاقيات السلام تتم دائمًا على طاولة المفاوضات، والتي بدأت بالفعل أمس الجمعة في إسلام أباد، ولمدة 15 يومًا، وقد تمتد بعد ذلك، على أمل أن يصل الجميع إلى سلام ليس فقط بين إيران وأمريكا وإسرائيل ودول الخليج، ولكن سلام يشمل العالم كله، حيث تأثر الجميع بـ الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي نتجت عن إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر منه 20% من نفط العالم.
و حاليًا، يأمل الجميع أن يتم الوصول إلى اتفاق سلام، يكون أساسه في البداية إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية كما كان من قبل. وعلى الجانب الآخر، ما زالت الولايات المتحدة تصر على أن تتعهد إيران بعدم الحصول على سلاح نووي مستقبلا.
وتأتي المشكلة الأهم، وهي مطالبة الولايات المتحدة بنقل الوقود النووي الإيراني المخصب بحجم “450 كيلو جرام بنسبة 60%” إلى خارج إيران، حتى لا تتمكن من تصنيع قنبلة نووية خلال عشرة أيام. وهذه المشكلة أعتقد أنها ستأخذ جهدًا كبيرًا في المفاوضات، حيث ترى إيران أن من حقها الاستمرار في التخصيب للأغراض السلمية.
ولكن هناك عرض من روسيا، التي وافقت على نقل الوقود النووي الإيراني إليها والاحتفاظ به لصالح إيران، كما أن هناك رأيا آخر بأن يتم حفظه لدى المنظمة الدولية للطاقة الذرية.
أما مشكلة المفاعلات النووية الإيرانية، فهي مشكلة يمكن حلها من خلال وجود مراقبين دوليين بشكل دائم، لمنع إيران من الوصول إلى تخصيب اليورانيوم لأغراض عسكرية.
وتبقى مشكلة الصواريخ الباليستية الإيرانية، التي ترى إيران أن من حقها امتلاكها للدفاع عن نفسها، وهو أمر قابل أيضًا للتفاوض للوصول إلى حل. كما أن مسألة دعم الأذرع الإيرانية، مثل الحوثيين وحزب الله وبعض العناصر في العراق، هي الأخرى قابلة للتفاوض.
وتأتي مطالب إيران بفرض رسوم على مرور السفن في مضيق هرمز، وأعتقد أن إيران ليس لها الحق في ذلك، لأن هذه المياه دولية، و المضيق خارج المياه الإقليمية الإيرانية، وبالتالي لا يحق لها فرض أي رسوم.
كما تطلب إيران ضمانات بعدم مهاجمتها مرة أخرى، وهو أمر طبيعي، ولكن السؤال: من هي الدول الضامنة؟ هناك آراء بأن يكون الضمان من خلال الولايات المتحدة، مع إدخال روسيا والصين، وربما إسرائيل، لتقديم هذا الضمان.
ويأتي أيضًا طلب إيران برفع العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها، وهو حق مشروع، وكذلك مطالبتها بالإفراج عن أموالها المجمدة في الخارج، وهو أيضًا حق لها.
وعموما، فإن نجاح هذه الاتفاقية يعتمد على توفر النية الحقيقية لدى جميع الأطراف لتحقيق هدف واحد، وهو السلام، وأعتقد أن الجميع يسعى إليه، باستثناء إسرائيل، التي تعلن أن الولايات المتحدة انتصرت، كما تعلن إيران لشعبها أنها منتصرة.
أما إسرائيل، فأعتقد أن نتنياهو لن يكسب الانتخابات القادمة، لأن هذه الحرب انتهت دون أن تحقق إسرائيل أهدافها، حيث دوت صفارات الإنذار في تل أبيب وحيفا و إيلات، وعجز الجيش الإسرائيلي عن منع ذلك.
المهم أن السلام سيعود، وسيصبح العالم أمام نظام دولي جديد، ويبقى السؤال: ماذا ستفعل أمريكا بعد ذلك؟
أعتقد أن الرئيس الأمريكي وجد أخيرًا مخرجا من هذه الأزمة التي وضعه فيها نتنياهو، ليتفرغ خلال الفترة القادمة للانتخابات النصفية للكونغرس، وكذلك العمل على إصلاح العلاقات داخل حلف الناتو، الذي تأثر بعدم مشاركة دوله في الحرب، خاصة فيما يتعلق بتأمين مضيق هرمز.
كما سيركز أيضًا على محاولة إنهاء الحرب الروسية الأوكرانية، وهي من الملفات المهمة التي تنتظره.
وعلى الجانب الآخر، فإن إيران أيضًا سعيدة بهذا الاتفاق، حيث ستحاول إعادة بناء نفسها بعد 38 يومًا من الحرب، التي تعرضت خلالها لخسائر كبيرة في قواتها الجوية والدفاع الجوي والبحرية، بالإضافة إلى تدمير العديد من مصانع البترول والأسلحة.
وأهم من ذلك، ستسعى إيران إلى ترميم علاقاتها مع دول الخليج، التي كانت أكبر خسارة لها في هذه الحرب، لأن دول الخليج لن تنسى أن إيران قامت بـ استهدافها، رغم إعلان هذه الدول رفضها استخدام القواعد الأمريكية على أراضيها لضرب إيران، وعدم مشاركتها في أي عمليات عسكرية ضدها، و تمسكها بسياسة عدم التصعيد.
ويبقى السؤال الذي يجب أن نفكر فيه الآن: هل من الممكن إنشاء جيش عربي موحد، ليكون الأساس في تحقيق الأمن القومي العربي؟ وهو الأمر الذي نادى به الرئيس السيسي منذ عشر سنوات.
وعموما، بعد انتهاء القتال، سيجلس كل طرف لـ يقيّم ما حققه من مكاسب وما تكبده من خسائر، والأهم من ذلك: ماذا سيفعل في المستقبل… تلك هي القضية.










