أثارت خطوة وزارة الخزانة الأمريكية بوضع توقيع الرئيس دونالد ترامب على العملة الورقية من فئة الدولار جدلاً واسعاً، كونه أول رئيس تظهر توقيعه على العملة أثناء توليه منصبه في سابقة هي الأولى من نوعها في التاريخ الأمريكي.
وقد قوبل هذا القرار بمعارضة شديدة من الحزبين الديمقراطي والجمهوري، حيث اعتبره المنتقدون “مشروعاً للنرجسية” وخطوة عبثية تأتي ضمن محاولات ترامب المستمرة لفرض هويته الشخصية على الرموز الوطنية والمؤسسات السيادية، بدءاً من المنشآت الحيوية وصولاً إلى العملة المتداولة.
سابقة تاريخية تكسر تقليدًا عمره قرن
كشفت وزارة الخزانة الأمريكية عن قرار إضافة توقيع ترامب إلى الأوراق النقدية، في تغيير تاريخي للعملة الوطنية، وفق ما ذكرته صحيفة “نيويورك تايمز”.
وسيظهر توقيع ترامب إلى جانب توقيع وزير الخزانة سكوت بيسنت، لكن الأمر اللافت هو أن اسم أمين الخزانة الأمريكي، الذي ظل على العملة لأكثر من قرن من الزمان منذ عام 1914، سيختفي تمامًا لإفساح المجال لتوقيع الرئيس.
وبرر “بيسنت” هذه الخطوة بالقول في بيان رسمي، وفق الصحيفة الأمريكية: “لا توجد طريقة أقوى للاعتراف بالإنجازات التاريخية لبلدنا العظيم والرئيس دونالد ترامب من أوراق الدولار التي تحمل اسمه، ومن المناسب فقط إصدار هذه العملة التاريخية في الذكرى الـ250 لتأسيس البلاد”.
وأيده في ذلك براندون بيتش، أمين خزانة ترامب الحالي الذي سيُستبدل توقيعه بتوقيع الرئيس، قائلًا لـ”نيويورك تايمز”: “بصمة الرئيس على التاريخ كمهندس للنهضة الاقتصادية للعصر الذهبي لأمريكا لا يمكن إنكارها.. طباعة توقيعه على العملة الأمريكية ليست مناسبة فحسب، بل يستحقها أيضًا”.
من الشيكات التحفيزية إلى الدولار
ليست هذه المرة الأولى التي يسعى فيها ترامب لوضع اسمه على رموز ومؤسسات وطنية، فمنذ عودته إلى البيت الأبيض العام الماضي، دفع باتجاه سك عملة معدنية بقيمة دولار واحد تحمل وجهه، إلى جانب إصدار عملة تذكارية ذهبية عيار 24 قيراطًا تحمل صورته، وفق “نيويورك تايمز”.
كما أضاف ترامب اسمه إلى مركز جون كينيدي للفنون الأدائية في واشنطن، وهو صرح ثقافي وطني، بينما تضغط إدارته بقوة لإعادة تسمية مطار دالاس في العاصمة باسمه.
وأوضحت الصحيفة الأمريكية أن هذا النمط بدأ في ولاية ترامب الأولى، عندما أضاف توقيعه على ملايين الشيكات التحفيزية الاقتصادية التي أُرسلت بالبريد للأمريكيين خلال جائحة كورونا، في سابقة اعتُبرت آنذاك غير اعتيادية، إلا أن الأمر تطور الآن ليشمل العملة الوطنية نفسها، في خطوة وصفتها “نيويورك تايمز” بأنها “أحدث مثال على سعي الرئيس لوسم المؤسسات الوطنية بعلامته الشخصية في محاولة لترك بصمة دائمة في المجتمع الأمريكي”.
تاريخ طويل من التوقيعات يواجه التغيير
يعود تاريخ التوقيعات على العملة الأمريكية إلى عام 1861، عندما وقع الرئيس أبراهام لينكولن مشروع قانون يسمح لوزير الخزانة بتفويض أمين الخزانة الأمريكي بالتوقيع على السندات والأوراق المالية، بحسب مكتب النقش والطباعة الأمريكي المذكور في تقرير “نيويورك تايمز”.
وفي عام 1914، بدأ وزير الخزانة وأمين الخزانة التوقيع معًا على العملة، وهو تقليد استمر لأكثر من قرن حتى هذا القرار الذي يكسره.
وأشار لاري فيليكس، الذي شغل منصب مدير مكتب النقش والطباعة من 2006 إلى 2015، إلى أن إضافة توقيع ترامب خطوة “غير عادية”، رغم أنه أشار لنقاشات سابقة حول إضافة توقيع رئيس الاحتياطي الفيدرالي للعملة، وفق “نيويورك تايمز”، إلا أن فيليكس لفت إلى جانب آخر مثير، قائلًا إنه نظرًا لأن وزراء الخزانة المستقبليين قد يزيلون توقيع الرئيس من الأوراق النقدية، فإن الأوراق المطبوعة باسم ترامب “قد تصبح نادرة من الناحية النقدية” ومطلوبة بشدة من قبل هواة جمع العملات.
ولم توضح وزارة الخزانة بعد ما إذا كان توقيع ترامب سيظهر على جميع فئات العملة الورقية، إذ لم تستجب الوزارة لطلبات التعليق، بحسب الصحيفة الأمريكية، لكن من المعروف أن لوزير الخزانة صلاحية إجراء تغييرات على تصميمات العملة، وأن التوقيعات على الأوراق النقدية تتغير تقليديًا عندما يتولى وزير خزانة جديد منصبه.
“مشروع غرور” وعبث
أثار قرار وضع توقيع ترامب على الدولار موجة من الانتقادات الحادة من الديمقراطيين والجمهوريين على حد سواء، إذ هاجمت السيناتور جين شاهين، الديمقراطية من نيو هامبشاير والتي كتبت تشريعًا يهدف لإضافة صورة هارييت توبمان، الناشطة الأمريكية ذات البشرة السمراء المناهضة للعبودية، على ورقة الـ20 دولارًا، هذه الخطوة بشدة.
وقالت شاهين، وفق “نيويورك تايمز”: “إصرار الرئيس على لصق اسمه على الأوراق النقدية والعملات المعدنية والآثار الوطنية أثناء وجوده في منصبه يتعارض مع مُثُل بلادنا.. يجب أن نحتفل بالذكرى الـ250 لتأسيس البلاد من خلال تكريم الشخصيات البطولية التي جعلت أمتنا ما هي عليه اليوم، وليس تغذية مشروع غرور آخر للرئيس الحالي”.
من جهته، تساءل دوجلاس هولتز-إيكين، الخبير الاقتصادي الجمهوري الذي عمل في إدارة الرئيس السابق جورج بوش، عما إذا كانت إضافة توقيع ترامب للعملة تخدم المصلحة الوطنية فعلًا، مشيرًا إلى أن ترامب لديه أجندة كاملة من القضايا الملحة، وأن عددًا أقل من الناس يستخدمون النقد في عصر المدفوعات الرقمية، علّق هولتز-إيكين بسخرية، وفق “نيويورك تايمز”: “قد يكون هذا الفعل الأكثر عبثية على الإطلاق”.











