صدر اليوم الخميس 26 مارس 2026 العدد الجديد من مجلة «كل خميس» التى تصدر أسبوعيا عن مؤسسة رسالة السلامالعالمية يتناول العدد ملفا فكريا يناقش أطروحة المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي التي تصدّرت هذا العددتحت عنوان : ” حرية الإعتقاد والإيمان ” .
ليعيد فتح واحدةٍ من أكثر القضايا حساسيةً في المجال الديني والفكري، وهي قضية حرية الاعتقاد ، وما يتصل بها منمراجعةٍ لموقع الرواية البشرية، وحدود التفسير، وطبيعة الخلاف الديني، وموقع القرآن باعتباره المرجعية العليا للإسلام. ويطرح العدد، عبر مادته الرئيسية ومقالاته المتتابعة، معالجةً هادئة لكن حاسمة، تنطلق من أن العلاقة بين الإنسان وربهقائمة على البلاغ والاختيار والمسؤولية، لا على الإكراه أو الوصاية أو احتكار النجاة.
وتتأسس أطروحة الشرفاء الحمادي، كما يعرضها العدد، على فكرةٍ مركزية مفادها أن القرآن الكريم أقرّ حرية الإنسان فيالإيمان والكفر، وجعل الحساب إلى الله وحده، دون أن يمنح أحدًا من البشر سلطة التفتيش في الضمائر أو فرض العقائدبالقهر. ومن هذا المنطلق، يعيد الطرح قراءة عددٍ من المسائل التي شغلت الوعي الإسلامي قرونًا، وفي مقدمتها قضيةالمعراج، من زاوية قرآنية خالصة تسأل عن النص الصريح، وعن الحد الفاصل بين ما هو وحيٌ مُحكم وما هو بناءٌ تفسيري أوتراثي لاحق. ولا يقف الطرح عند حدود الجدل في واقعة بعينها، بل يتجاوزها إلى نقدٍ أوسع لتضخم المرويات والروايات علىحساب النص القرآني، وما ترتب على ذلك من تشظي الوعي الديني وامتداد الخصومات المذهبية.
وفي امتداد هذه الرؤية، يقدّم العدد الأطروحة بوصفها دعوةً إلى إغلاق أبواب النزاع العقيم في المسائل التي لا يقوم عليهاأصل الإيمان، والعودة إلى قاعدة قرآنية جامعة تجعل الإيمان بالله وكتابه ورسله والالتزام بهدي القرآن جوهر الانتماء إلىالإسلام. كما يبرز الملف أن أخطر ما أصاب الخطاب الديني عبر التاريخ لم يكن مجرد اختلاف الفهم، بل تحوّل بعضالاجتهادات البشرية إلى مرجعيات موازية تزاحم النص الالهى، وتفرض نفسها على الناس بوصفها جزءًا من العقيدة الملزمة،بما أفضى إلى تضييق واسع على مساحة التدبر الحر، وفتح المجال أمام الوصاية الدينية، وتغذية الانقسام بدل توجيه الأمةإلى مقاصد العدل والرحمة والحرية والمسؤولية.
وفي زاوية «ما قل ودل» يقدّم العدد خلاصةً مكثفة لروحه الفكرية، عبر تأكيد أن معركة الإصلاح الديني الحقيقية لا تبدأ منتضخيم الخلافات، بل من إعادة ترتيب المرجعيات؛ فيكون القرآن أولًا، ويكون ما عداه محل نظرٍ وتمحيص. وتلخّص هذهالزاوية الرسالة الأساسية للعدد في عبارةٍ عملية واضحة: لا يجوز أن يتحول المشهور في التراث إلى عقيدة، ولا أن يتحولالخلاف التفسيري إلى عبء دائم على الأمة، ولا أن تُصادر حرية الإنسان باسم حماية الدين الاسلامى بينما الدين نفسه قدقرر أن الهداية بيانٌ واختيار، وأن الحساب إلى الله وحده.
أما بقية مقالات العدد، فقد جاءت في صورة مرافعات فكرية متكاملة من زوايا متعددة، لكنها التقت جميعًا مع رؤيةالشرفاء الحمادي في جوهرها. فمقال «حرية الاعتقاد في الميزان القرآني» شدد على أن التكليف لا يستقيم إلا بوجود حريةسابقة عليه، وأن الرسول نفسه لم يُكلَّف بإكراه الناس على الإيمان، بل بالبلاغ والبيان. وذهب مقال «من الوحي إلىالوصاية» إلى أن المعضلة الكبرى بدأت حين انتقل بعض الخطاب الديني من خدمة الوحي إلى ادعاء الوصاية علىالضمائر، مؤكدًا أن الرسالة لم تُنزَّل لتنشئ طبقة تحتكر الإيمان أو تتكلم باسم الله في الحكم على الناس.
وفي السياق نفسه، ناقش مقال «بين قداسة النص وبشرية التفسير» ضرورة التمييز الصارم بين الوحي الإلهي المعصوم،وبين التفسير بوصفه جهدًا بشريًا يخطئ ويصيب، محذرًا من رفع الشروح والاجتهادات إلى مرتبة النص نفسه. بينما طرحمقال «هل كل مشهور في التراث جزء من العقيدة؟» سؤالًا حاسمًا حول كثير من المسائل التي استقرت في الوعي العامبفعل التكرار لا بفعل النص القطعي، مؤكدًا أن الشهرة ليست دليلًا كافيًا، وأن العقيدة لا تُبنى إلا على أصلٍ بيّن. وبدوره دافعمقال «التدبر فريضة عقلية لا تمرد على الدين» عن حق المسلم وواجبه في النظر الواعي في القرآن، رافضًا تصوير السؤالوالتفكر باعتبارهما خروجًا على التسليم، ومعتبرًا أن التدبر هو الطريق الطبيعي إلى إيمانٍ حيٍّ لا إلى تدينٍ موروث جامد.
واختتم الملف بمقال «متى يتحول الخلاف الديني إلى عبء على الأمة؟» الذي نبّه إلى أن الخلاف يفقد قيمته حين يخرجمن حدوده العلمية، ويتحول إلى هوية صدامية تستنزف الطاقات وتزاحم المقاصد الكبرى للدين. وفي هذا كله، بدا واضحًاأن كتّاب العدد، على تنوع عناوينهم وزواياهم، قد اتفقوا مع المفكر العربي علي الشرفاء الحمادي في نقاطٍ رئيسية، أهمها:مركزية القرآن بوصفه المرجعية العليا ورفض الوصاية على الإيمان، والتمييز بين النص الإلهي والفهم البشري، ورفضتضخيم المسائل الظنية، والدعوة إلى تهذيب الخلاف، وإحياء حرية التدبر، وإعادة الخطاب الديني إلى مقاصده الكبرى منرحمةٍ وعدلٍ وكرامةٍ إنسانية.











