يأتي النداء من أجل السلام الذي أطلقه المفكر الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي في توقيت بالغ الدلالة، حيث يشهد العالم – وخاصة منطقتنا – حالة من الاضطراب والصراعات التي أنهكت الشعوب وأهدرت الطاقات وأبعدت الإنسان عن رسالته الحقيقية في إعمار الأرض. ومن هنا تكتسب الدعوة إلى السلام، كما طرحها الشرفاء، بعدًا يتجاوز الخطاب الوعظي إلى مشروع فكري يستند إلى القرآن الكريم بوصفه مرجعية إلهية جامعة.
فالسلام في الرؤية القرآنية ليس مجرد غياب للحروب، بل هو منظومة قيم تقوم على العدل والرحمة والحرية المسؤولة واحترام الإنسان. ولذلك جاء النداء الإلهي واضحًا:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾،
أي دخولًا كاملاً في منهج يقوم على إصلاح النفس، وإقامة العدل في المجتمع، وبناء علاقات إنسانية قائمة على التعاون لا الصراع.
إن أخطر ما أصاب الأمة عبر تاريخها – كما يشير هذا الطرح – هو تحول الخلافات البشرية إلى صراعات دينية، ورفع شعارات الإسلام في معارك لا علاقة لها بروح القرآن، حتى غابت قيم الرحمة والعدل التي جاء بها الوحي، وحلت محلها روايات وتأويلات بشرية فرّقت الأمة إلى مذاهب وطوائف متنازعة.
ومن هنا تتجلى أهمية الدعوة إلى العودة إلى القرآن بوصفه المرجعية الأولى، ليس فقط ككتاب للعبادة أو التلاوة، بل كمنهج حضاري ينظم علاقة الإنسان بربه وبنفسه وبالناس. فالقرآن حين يرسخ قيم السلام والعدل لا يهدف إلى تهدئة مؤقتة، بل إلى بناء مجتمع قادر على توجيه طاقاته إلى العلم والعمل والإنتاج بدلاً من الصراع والاقتتال.
كما أن هذه الدعوة تحمل رسالة إنسانية أوسع؛ إذ إن السلام القرآني ليس حكرًا على أمة أو شعب، بل هو قيمة إنسانية عالمية تقوم على التعارف والتعاون بين الشعوب، كما جاء في قوله تعالى:
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾.
إن العالم اليوم في حاجة ماسة إلى مثل هذا الخطاب الرشيد الذي يعيد الدين إلى جوهره الأخلاقي والإنساني، ويحرره من الاستخدامات السياسية أو الطائفية التي شوهت صورته وأدخلت المجتمعات في دوائر من العنف والاقتتال.
ولعل الرسالة الأهم في هذا النداء أن السلام يبدأ من الإنسان نفسه؛ من تزكية النفس وتحريرها من الكراهية والخوف والطمع، لأن النفس المضطربة لا يمكن أن تبني مجتمعًا آمنًا. فإذا صلح الإنسان صلح المجتمع، وإذا انتشر العدل ساد السلام.
ومن هنا فإن العودة إلى القرآن ليست شعارًا فكريًا، بل ضرورة حضارية لإنقاذ أمة الإسلام من الانقسام، وإسهامها في بناء عالم أكثر عدلاً وأمنًا وسلامًا.










