أكد الدكتور عبد الراضي رضوان عميد كلية دار العلوم الأسبق ونائب رئيس مجلس أمناء مؤسسة رسالة السلام بالقاهرة، أن شهر رمضان يمثل محطة مركزية في إيقاظ الضمير الفردي والجمعي وبعث الروح في الأمة، جاء ذلك خلال كلمته في الندوة التي عقدتها مؤسسة رسالة السلام تحت عنوان «شهر رمضان الذى انزل فيه القرآن».
وفيما يلي نص كلمة د. عبد الراضى رضوان:
دور شهر رمضان في إيقاظ الضمير الجمعي والفردي وبعث الروح في الأمة.
فشهر رمضان ليس زمنًا تعبديًا معزولًا عن حركة التاريخ ، ولا محطة روحية منفصلة عن أسئلة الإصلاح الديني والحضاري ؛ بل هو موسمٌ لإعادة تشكيل الوعي، وبعث الروح في الضمير الفردي والجماعي، وإعادة وصل الإنسان بمركزه القيمي.
فإذا كان الإصلاح الديني يبدأ من الوعي ، فإن رمضان هو المختبر السنوي لإعادة إنتاج هذا الوعي في ضوء الوحي.
فالصيام يمثل ثورة الروح السنوية المتجددة القادرة على إحداث الانقلاب الحياتي في مسيرة الإنسان من خلال المؤثرات التالية
أولًا: تحرير الإرادة الإصلاحية . إذ إن الوعي الإصلاحي لا يولد في بيئة الترف ، ولا ينمو في ظل الاستسلام للعادات والمألوفات ؛ بل يتأسس على إرادة حرة قادرة على ضبط الشهوة وتوجيه الرغبة ، فيأتي الصيام ليعيد ترتيب العلاقة بين : الإنسان وجسده الإنسان وشهوته الإنسان وزمنه. تلك العلاقة التي يكون الإنسان خاضعا ذليلا لهذا الثالوث وتابعا لسيطرته واستحوازه عليه.
فإذا ما امتنع الصائم باختياره عن المباحات له ، تتعاظم لديه القدرة على الامتناع عن المحرمات ، ويترسخ في وعيه أن الحرية ليست إطلاق الرغبات ، بل حسن توجيهها. وهنا تتشكل أول لبنة في الوعي الإصلاحي بالتحرر من سلطان الهوى والعبودية للمؤثرات المادية . ثانيًا: تجديد مركزية الوحي في توجيه الحياة الإنسانية.
لأن شهر رمضان هو شهر القرآن بما يعني شهر إعادة وصل الواقع بالوحي ، فرمضان هو جسر النور الذي تجدد عليه أنوار الوحي تنزيلا على الواقع .
فيكون شهر رمضان بمثابة إعادة ضبط المصنع للإنسان بعودته إلى الميزان الصائب الحاكم له والمتوافق مع حركته في الكون ؛ لأن القرآن ليس زينة خطابية، بل معيارٌ يُقاس به الفعل والموقف والمشروع.
وفي رمضان تُتلى آيات العدل في القرآن ، وتُستحضر معاني الاستخلاف ، ويُستعاد مفهوم المسؤولية.
وبذلك يتحول النص من محفوظات إلى مرجعيات ، ومن تلاوات إلى بوصلات للضبط والتوجيه . ثالثًا: بناء الحس الجمعي
فالصيام لا يربي الفرد بمعزل عن الجماعة ، بل يصنع تجربة شعورية مشتركة من خلال الممارسة الجمعية : الغني يتذوق معنى الجوع ، فيستشعر حاجة الفقير العاجز ، فيمد له يد العون فيعيش المجتمع إيقاعًا واحدًا عطاء وأخذا تراحما وتكافلا . وهنا تتولد نواة الوعي الاجتماعي ؛ إذ لا يمكن أن ينشأ مشروع إصلاحي في مجتمع متبلد الإحساس.
فالزكاة، والصدقة، وإفطار الصائم، وصلة الرحم كلها آليات عملية لتحويل الشعور الإنساني بالرحمة والتعاطف إلى مسؤولية وفعل تكافلي . رابعًا: إعادة ترتيب الأولويات .
إذا كانت أخطر أزمات المجتمعات المعاصرة تكمن في اضطراب سُلَّم الأولويات عندما تتقدم الهوامش وتتراجع القيم المركزية فإن رمضان يأتي ليعيد التوازن المفقود ، فيقلل من الاستهلاك ، ويخفف من صخب الحياة ، ويوسّع من مساحة التأمل والتفكر وكذلك الشعور بالآخر .
وبذلك يهدأ الضجيج الخارجي، ليعلو صوت الضمير الداخلي ، فيحضر سؤال التغيير والإصلاح : ما الذي ينبغي أن يتقدم؟ وما الذي ينبغي أن يتأخر؟
خامسًا : تحولات التعبد الفردي إلى المشروع المجتمعي.
لا يكتمل أثر رمضان إذا بقي أثرًا وجدانيًا مؤقتًا ، ولم يتحول بفعل الوعي الإصلاحي الحقيقي إلى سلوك دائم ، ومشروع ثقافي ، ورؤية تربوية ، وخطاب اجتماعي رشيد .
لأن التحدي الإيماني ليس في البكاء عند سماع الآيات ، بل في تحويل أثر الآيات إلى برامج عمل ، وآليات تراحم ، ومسالك تضامن وتكافل ، وأخلاق معاملات. سادسًا: ترسيخ الهوية .
في زمن تتعرض فيه الهويات للتفكيك الناعم يأتي رمضان ليؤكد معالم الانتماء من خلال دعائم ثلاثية : ١. وحدة القِبلة ٢. وحدة الزمن الشعائري ٣. وحدة المرجعية
ففي رمضان تتجدد ذاكرة الوعي الجمعي للأمة ، وتستعيد شعور الانتماء إلى جماعة ذات رسالة وهوية واحدة تُمارس من خلالها أربعة من أركان قواسمها الجامعة : الصلاة والصوم والزكاة وشهادة التوحيد.
بما يمكن معه القول بأن شهر رمضان ليس مجرد دورة تعبدية ، بل مدرسة وعي، ومختبر إرادة ، وموسم مراجعة، ومنصة انطلاق إصلاحي دائم إذا أُحسن استثماره أمكن بنجاح :
إيقاظ الضمير
تنقية الإرادة
استعادة مركزية الوحي في ضبط الواقع وتشكيل الحس الجمعي.










