
قال المفكر العربي الاستاذ علي الشرفاء الحمادي في ندوة مؤسسة رسالة السلام والتي حملت عنوان «شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن» عن أهمية ليلة القدر في حياة المسلمين، موضحًا كيف أن هذه الليلة تمثل لحظة فارقة في تاريخ الأمة الإسلامية.
جاء ذلك في كلمته التي ألقاها نيابة عنه الكاتب الصحفي مجدي طنطاوي، المدير العام لمؤسسة رسالة السلام، وقال علي الشرفاء في كلمته: “في كل عام تعود ليلة القدر لتضع المسلمين أمام لحظة فارقة، لا بوصفها ذكرى زمنية عابرة، بل باعتبارها لحظة مساءلة كبرى. في ليلة القدر، أنزل الله القرآن الكريم ليكون كتابًا للهداية والعدل والرحمة، ليغير مجرى التاريخ وينقذ الإنسان من الظلم والعدوان والاستعباد. غير أن المفارقة المؤلمة أن الأمة التي تلقت هذا الكتاب الخاتم لا تزال تعيش أزمة عميقة في علاقتها به، فتقرأه ولا تتبع شرعته ومنهاجه، تعظمه لفظًا وتلاوة، وتهجره عملاً وفعلاً.”
وأوضح الحمادي أن الله يذكر في كتابه الكريم في كل عام بليلة التنزيل، الليلة التي أنزل فيها القرآن على قلب النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ليكون رسالة إلهية موجهة إلى الناس كافة، رسالة أساسها الرحمة والإحسان، لا القسوة والعدوان، والعدل والإنصاف، لا البغي والطغيان. كما شدد على أن هذه الرسالة دعوة للأمة الإسلامية بأن تتبع مبدأ الرحمة والعدل في جميع شؤون حياتها.
وأضاف الحمادي: “الرحمة والعدل هما الأساس في تعاليم الإسلام، أمر عباده باتباع رسول الله بالخلق العظيم والرفق، لا العنف ولا الإقصاء. بل تطبيق أمر الله بالوحدة والتعاون كما أمر الله سبحانه وتعالى المسلمين الذين صدقوا في إيمانهم بقرآنه في دعوته لهم سبحانه، حيث قال: «وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا» (آل عمران: 103). وأمر عباده الذين أخلصوا في التمسك بالآيات القرآنية بقوله سبحانه: «وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ» (المائدة: 2).”
وأشار الحمادي إلى أن الله سبحانه وتعالى وصف نبيه الكريم بأنه جاء ليكون رحمة للعالمين، حيث قال في كتابه: “وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ” (الأنبياء: 107). وأضاف: “وقد أكد الله سبحانه جوهر رسالته في سلوك النبي محمد صلى الله عليه وسلم بقوله: «وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ» (القلم: 4).”
وتابع الحمادي قائلاً: “حمل رسول الله صلى الله عليه وسلم أمانة رسالة الإسلام في ليلة القدر، ودعا الناس إلى الإيمان بآيات الله والعمل بما جاء فيها من شرعة ومنهاج ليجعلوه دستور حياتهم. هذا الكتاب اشتمل على كافة أحكام العبادات وتشريعات المحرمات والنواهي، التي وضعت خارطة للإنسان لحياة سعيدة في الدنيا، تحصنه من الذنوب والمعاصي، وتحقق له كافة متطلبات التطور والتقدم العلمي والثقافي.”
وأكد الحمادي أن القرآن الكريم يشجع المسلم على البحث والاكتشاف في مختلف المجالات العلمية، سواء في الفلك أو في معرفة الثروات المغمورة في البحار. وأضاف أن القرآن يوجه الإنسان نحو استخدام هذه المعرفة لتحسين ظروف حياته والارتقاء بمستوى معيشته. وقال: “القرآن الكريم دعا الإنسان إلى التدبر في آياته ومعرفة عظمة الله في هذه الآيات، ليخفف عنه أعباء الحياة ويكتشف ما في الأرض من ثروات ترتقي بمستوى معيشته نحو الأفضل.”
وأشار الحمادي إلى أن آيات القرآن الكريمة قد اكتملت في خطبة الوداع، معلنة تمام البلاغ واكتمال الرسالة الإلهية. ولكنه لفت إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر الله بأنه سيهجر قومه القرآن بعد وفاته، كما جاء في قوله تعالى: «وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا» (الفرقان: 30).
وفي كل عام، كما قال الحمادي، يذكر الله الناس في شهر رمضان بليلة القدر والتذكير بنزول القرآن، لعلهم يعودون إلى الكتاب الكريم ويتخذونه نورًا يهديهم من الظلمات إلى النور. لكنه أضاف أن المسلمين في كثير من الأحيان يقتصرون على الاحتفال بهذه الليلة دون أن يلتزموا بالعمل بأحكام القرآن، مما يؤدي إلى هجره وعدم تطبيقه في حياتهم اليومية.
وأكمل الحمادي: “منذ وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، تم هجر القرآن الكريم في كثير من المجتمعات الإسلامية، حيث استبدلت التشريعات البشرية والروايات المتناقضة التي نسبت إلى النبي، والتي شرعت الظلم، وبررت العدوان، وأفرغت الدين من مقاصده الأخلاقية والإنسانية.”
وأضاف أن الله سبحانه وتعالى لم يعترف بهذه الروايات المزورة، بل أكد في كتابه الكريم: “تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ” (الجاثية: 6). وقال الحمادي: “إن ليلة القدر ليست ليلة احتفال ولا طقوس تراثية، بل هي ليلة تضع المسلمين أمام مسؤولية تاريخية وأخلاقية. كيف ينزل الله القرآن ليقيم ميزان القسط والعدل، ثم يهجره المسلمون ليحل محله الهوى والقسوة؟”
اختتم الحمادي كلمته قائلاً: “إن الأحياء اليوم مهددون يوم الحساب بالعقاب على ما كسبت أيديهم من معاص وذنوب، تراكمت بفعل الابتعاد عن كتاب الله. وإنه يجب على المسلمين العودة إلى القرآن كمرجعية وحكم، وأن يلتزموا بشريعته ومنهاجه، قبل أن يباغتهم الأجل. كما حذر الله سبحانه وتعالى من مصير الذين كذبوا بآياته واستكبروا عنها، حيث قال: «وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا» (الزمر: 71).”
وختم حديثه قائلاً: “اللهم إني بلغت، فاشهد.”













