تقارير

«حين يصبح السؤال وعيًا: تأملات في غياب الهدهد وحضور المعنى»

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيم
﴿ وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ ﴾
مقدمة تمهِّد لفكرة اليوم
في زحمة الحياة، وبين كثرة المسؤوليات وتشابك التفاصيل، قد يغيب منا أشخاص أو معانٍ أو قيم، فنمضي دون أن نلتفت لغيابها، كأن وجودها كان أمرًا مسلمًا به لا يحتاج سؤالًا. لكن القرآن يعلّمنا أن القائد الحق، والإنسان الواعي، لا يمرّ على الغياب مرور العابر، بل يتفقد، ويسأل، ويبحث، لأن الغياب في حد ذاته رسالة، وربما إنذار.
تأمل في معنى الآية وسياقها
تأتي هذه الآية في سياق قصة نبي الله سليمان عليه السلام، ذلك الملك النبي الذي جمع الله له بين السلطان والحكمة. وبرغم عظمة ملكه وكثرة جنوده، لم يغفل عن طائر صغير في مملكته.
“وتفقد الطير”… كلمة تحمل في طياتها معنى العناية، والانتباه، والمسؤولية. ثم يأتي السؤال: “ما لي لا أرى الهدهد؟”
لم يبدأ بالاتهام، بل بدأ بالمراجعة: هل المشكلة في نظري؟ هل أنا الذي لم أره؟ هذا أدب عظيم في السؤال قبل الحكم، وعدل في التفكير قبل الإدانة.
الهدهد لم يكن مجرد طائر غائب، بل كان سببًا في فتح باب هداية لقوم بأكملهم، وكأن الآية تهمس لنا: لا تحتقر غياب الصغير، فقد يحمل غيابه سرًّا كبيرًا.
تطبيق حياتي واقعي للرسالة
كم مرة غاب شخص صالح من محيطنا فلم نسأل عنه؟
وكم مرة غابت قيمة جميلة من حياتنا—كالصدق، أو الرحمة، أو الإخلاص—فلم نشعر بفراغها إلا بعد زمن؟
الآية تدعونا إلى التفقد:
تفقد قلوبنا… هل غاب منها الخشوع؟
تفقد علاقاتنا… هل انقطع فيها الوصل دون سبب؟
تفقد أنفسنا… هل ما زلنا في مواضعنا الصحيحة، أم غيّرتنا الأيام دون أن نشعر؟
التفقد ليس ضعفًا، بل وعي. والسؤال ليس شكًا، بل حياة.
رسالة اليوم
لا تمرّ على الغياب صامتًا، ولا تتجاهل الفراغ بحجة الانشغال.
تعلّم من سليمان عليه السلام أن تسأل قبل أن تحكم، وأن تتفقد قبل أن تعاتب، وأن تدرك أن أصغر الأمور قد تكون مفاتيح لأعظم التحولات.
فربّ هدهدٍ غاب… ليعلّمنا معنى الحضور.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى