توب ستوريفن

طارق لطفي.. رهان على الاختلاف في ” فرصة أخيرة

على مدى أكثر من ثلاثة عقود، نجح طارق لطفي في ترسيخ صورة الفنان الذي لا يطارد النجومية بقدر ما يسعى إليها عبر بوابة الوعي والاختيار، مؤمنًا بأن القيمة الحقيقية لا تتحقق بعدد الأعمال، بل بنوعيتها وقدرتها على الصمود في ذاكرة المشاهد.

 

لذلك بدا حضوره دائمًا مختلفًا، محكومًا برغبة واضحة في اكتشاف مناطق إنسانية جديدة، وتقديم شخصيات تتجاوز السطح إلى عمق النفس البشرية وتعقيداتها.

 

هذا الرهان المتواصل على الاختلاف جعله واحدًا من أبرز ممثلي جيله، وأكثرهم قدرة على التحول من عمل لآخر دون الوقوع في فخ التكرار، فصار اسمه مرتبطًا بالمشروعات الفنية التي تراهن على الدراما بوصفها فنًا للتفكير والتأمل.

 

كان حضوره اللافت عبر الجزء الرابع من مسلسل ليالي الحلمية، الذي فتح أمامه أبواب الدراما على مصراعيها، ليبدأ بعدها رحلة بحث دؤوبة عن أدوار تمنحه مساحة للتجريب والتطور، وسرعان ما لفت الأنظار بأدائه الهادئ القائم على التفاصيل الدقيقة والقدرة على التعبير بالصمت بقدر التعبير بالكلمة.

 

توالت بعدها مشاركاته في أعمال مهمة مثل “حديث الصباح والمساء” و”الحقيقة والسراب” و”الليل وآخره”، حيث قدّم شخصيات متباينة كشفت مبكرًا عن مرونته التمثيلية، واستعداده الدائم لخوض تحديات جديدة.

 

ظل طارق لطفي لسنوات طويلة أحد أهم أعمدة الأدوار الرئيسية الثانية، تلك المنطقة الصعبة التي تتطلب حضورًا قويًا دون أن تطغى على البناء العام للعمل، ورغم ذلك كان قادرًا في كثير من الأحيان على خطف الانتباه، كما حدث في “مع سبق الإصرار” و”جبل الحلال” و”عد تنازلي”.

 

وجاء التحول الأهم مع مسلسل “بعد البداية”، الذي مثّل بداية مرحلة البطولة المطلقة، مؤكدًا امتلاكه الأدوات الكاملة لحمل عمل درامي على كتفيه، ثم رُسِّخ هذا التحول عبر مسلسل “شهادة ميلاد”، حيث قدّم شخصية مركبة مليئة بالتناقضات، أظهرت نضجًا فنيًا واضحًا.

 

يُحسب لطارق لطفي أنه أعاد تعريف صورة الشرير في الدراما المصرية، مبتعدًا عن المبالغة والانفعال الزائد، لصالح بناء داخلي هادئ يجعل الشر أقرب إلى حالة نفسية منه إلى سلوك خارجي فقط، وتجلى ذلك بوضوح في أعمال عدة، أبرزها “مع سبق الإصرار”، ثم في شخصية خلدون بمسلسل “جزيرة غمام”، حيث قدّم نموذجًا لشر ناعم، متخفٍ خلف ملامح إنسانية، ما زاد من تأثيره وصدقه.

 

هذا النهج جعل أداءه أكثر إقناعًا، وأكثر قدرة على إثارة الأسئلة لدى المتلقي، بدلًا من الاكتفاء بإثارة الكراهية التقليدية تجاه الشخصية الشريرة.

 

تنوع محسوب

رغم تميزه في أدوار الشر، لم يسمح طارق لطفي لنفسه بأن يُحاصر داخل هذه المنطقة، بل انتقل بسلاسة بين الأكشن والدراما الاجتماعية والشعبية وحتى الكوميديا، كما في مسلسل “العتاولة” بشخصية خضر، إضافة إلى حضوره المختلف في “القاهرة كابول”، الذي عكس قدرته على التعامل مع قضايا سياسية وفكرية معقدة بوعي وأداء متزن.

 

هذا التنوع لم يكن عشوائيًا، بل نابع من فلسفة واضحة في الاختيار، تقوم على البحث عن الجديد، وعن الشخصية التي تضيف إلى رصيده الفني بُعدًا آخر.

فرصة أخيرة

في موسم رمضان 2026، يخوض طارق لطفي تجربة مختلفة عبر مسلسل “فرصة أخيرة”، في عمل من 15 حلقة ينتمي إلى الدراما الاجتماعية المشوقة، ويعتمد على تصاعد نفسي وإنساني كثيف، ويجسد خلاله شخصية قاضٍ صاحب سمعة طيبة وسجل مهني ناصع، قبل أن يجد نفسه داخل سلسلة من الاختبارات القاسية التي تهدد منظومة القيم التي عاش مؤمنا بها.

 

الدور يبدو امتدادا منطقيا لمسيرته القائمة على الاشتباك مع الأسئلة الكبرى، وفي الوقت نفسه يمثل تحديا جديدا يضيف بعيدًا مختلفا لصورة البطل لديه.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى