ارتكزت الملفات المشتركة بين مصر وتركيا في الآونة الأخيرة على “الواقعية السياسية” و”المصالح الإستراتيجية”، ما ارتقى بالعلاقات بين البلدين إلى مربع الشراكة الشاملة، ومع زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ،القاهرة، غدًا الأربعاء، لم يعد الهدف مجرد تنسيق بروتوكولي، بل إعادة رسم موازين القوى في الشرق الأوسط، وتحويل جميع الأهداف إلى نقاط تفاهم تخدم الأمن القومي للبلدين.
ويلتقي الرئيسان المصري عبدالفتاح السيسي، والتركي رجب طيب أردوغان، في القاهرة، اليوم، ضمن جولة إقليمية يجريها “أردوغان”، تشمل زيارة المملكة العربية السعودية، ومن المنتظر أن يترأس الزعيمان الاجتماع الثاني لمجلس التعاون الإستراتيجي رفيع المستوى بين مصر وتركيا، إضافة إلى مناقشة ملفات المنطقة ذات الاهتمام المشترك، تأتي الزيارة وسط تقارير عن تنسيق “مصري – تركي” في ملفات مختلفة منها غزة، والصومال، والسودان.
أبرز الملفات المشتركة المتوقع تناولها خصوصًا في ظل واقع إقليمي جديد، يتصدر ملف “خفض التصعيد” في غزة والشرق الأوسط واجهة المباحثات، سعيًا لتحويل التوترات إلى فرص للاستقرار، وتتجه الجهود نحو حسم ملفات إعادة إعمار قطاع غزة، وتنسيق الأدوار كضامنين دوليين، بالتوازي مع بلورة موقف موحد لرفض التدخلات العسكرية في إيران، واحترام سيادة السودان وليبيا والصومال.
العلاقات “المصرية – التركية”
تشهد العلاقات “المصرية – التركية” حاليًا نقلة نوعية وزخمًا متصاعدًا، يعكس إرادة سياسية متبادلة لتعزيز آفاق التعاون والتنسيق في مختلف المجالات، ويرتكز هذا التقارب على نهج يهدف إلى تكريس الثقة المتبادلة وتوسيع نقاط التلاقي، بما يخدم المصالح المشتركة للبلدين ويحقق تطلعات الشعبين نحو التكامل والشراكة الحقيقية.
ويتجلى هذا الحرص المشترك في العمل على تطوير العلاقات بصورة مستدامة، إذ تسعى القاهرة وأنقرة إلى توظيف الإمكانات الضخمة المتاحة لدى الجانبين، لتحويل التفاهمات السياسية إلى نتائج عملية وملموسة على أرض الواقع.
وفي المسار الاقتصادي، تتجه الدولة المصرية والتركية نحو توسيع نطاق التعاون التجاري والاستثماري كأولوية قصوى، إذ تستهدف التحركات الراهنة زيادة حجم التبادل التجاري، وتشجيع تدفق الاستثمارات، وفتح آفاق غير مسبوقة للتعاون بين مؤسسات البلدين ومجتمعات الأعمال من خلال مشروعات إنتاجية مشتركة.
أما على الصعيد الإقليمي، فيحتل التشاور والتنسيق الدائم حول القضايا الدولية والملفات الساخنة مكانة محورية في أجندة البلدين، ويُسهم هذا التنسيق في دعم جهود خفض التوتر بالمنطقة، وتعزيز المسارات الدبلوماسية والحلول السياسية للأزمات، مع التأكيد المستمر على مبادئ الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، بما يضمن إرساء دعائم الأمن والاستقرار في المنطقة بأسرهـا.
إعادة إعمار غزة
وبذلت تركيا ومصر جهودًا مشتركة لوقف العدوان الإسرائيلي الذي دمّر قطاع غزة، ولتحقيق وقف دائم لإطلاق النار، وتهيئة بيئة مواتية لإعادة إعمار غزة، وتضميد جراح الفلسطينيين.
ووقّع الرئيسان أردوغان والسيسي “إعلان النوايا” خلال “قمة شرم الشيخ من أجل السلام”، التي عُقدت في مصر، أكتوبر 2025، وشارك فيها أيضًا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وكذلك شارك وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، ومدير المخابرات العامة المصرية حسن رشاد، في “اللجنة التنفيذية لغزة”، التي أُنشئت لدعم تنفيذ المرحلة الثانية لوقف إطلاق النار، ودعم الأنشطة في مجالات الحوكمة، والخدمات بشكل شامل.
وقال “فيدان”، إن تركيا عضو أساسي في مجموعة الوساطة التي تضم مصر وقطر والولايات المتحدة، وأنقرة مستعدة لتوفير قوات عسكرية ضمن “قوة الاستقرار الدولية” في غزة إذا طُلب منها ذلك.
احتواء التصعيد “الإيراني – الأمريكي”
يفرض الملف الإيراني نفسه بقوة على طاولة المباحثات “المصرية – التركية”، خصوصًا في ظل تصاعد التوترات الراهنة واحتمالات لجوء الولايات المتحدة لخيارات عسكرية، ويتبلور حاليًا توافق “مصري – تركي” على رفض أي ضربات عسكرية ضد طهران، مع التشديد على ضرورة خفض مستويات التصعيد، والتمسك بلغة الحوار والدبلوماسية كسبيل وحيد للحل.
كما تضطلع مصر وتركيا حاليًا بدور الوسيط الفاعل بين طهران وواشنطن، إذ تتلاقى رغبة البلدين في تنسيق الجهود المشتركة لمنع انزلاق المنطقة نحو مواجهة عسكرية شاملة، والعمل على التوصل لحلول تُنهي حالة التأزم.
وينطلق هذا التنسيق من رؤية إستراتيجية مفادها أن استقرار إيران كدولة مركزية يُعد ضرورة للحفاظ على موازين القوى في المنطقة، وأن أي سيناريو يستهدف إضعافها سيؤدي بالضرورة إلى خلل في التوازنات لصالح إسرائيل.
وفي إطار هذا الزخم الدبلوماسي، تترقب الدوائر السياسية اجتماعًا مرتقبًا في إسطنبول، الجمعة المقبل، يجمع بين المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي ستيف ويتكوف، ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، يأتي هذا اللقاء لمناقشة ملامح اتفاق نووي محتمل، كتتويج لجهود دبلوماسية مكثفة بذلتها تركيا ومصر وقطر على مدار الأيام القليلة الماضية، لنزع فتيل الأزمة.
التبادل التجاري بين البلدين
وبلغ حجم التبادل التجاري لتركيا مع مصر، التي تعد أكبر شركائها التجاريين في القارة الإفريقية، 8.8 مليار دولا، عام 2024، ووصلت صادرات تركيا إلى مصر 4.2 مليار دولار أمريكي ووارداتها 4.6 مليار دولار.
ووضع أردوغان والسيسي، هدفًا يتمثل في الوصول إلى حجم تبادل تجاري، بقيمة 15 مليار دولار بحلول عام 2028.
ولتحقيق هذا الهدف، تسخر الوزارات المعنية في كلا البلدين جهودها من خلال اجتماعات عديدة، تهدف لوضع خطط عملية ولتحسين بيئة الاستثمار الداعمة لهذا الطموح.











