بسم الله الرحمن الرحيم
﴿ لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ ﴾
مقدمة تمهّد لفكرة اليوم
في زمنٍ تتسارع فيه المظاهر وتكثر فيه الطقوس الشكلية، قد ينسى الإنسان أن جوهر علاقته بربّه لا يقوم على صورة العمل بقدر ما يقوم على صدق النيّة التي يحملها قلبه. إنّ الإيمان ليس مشهدًا أمام الناس، بل سرٌّ بين العبد وربّه. ومن هنا يأتي معنى الآية، لتنتشل القلب من ظاهر العبادات إلى باطنها، ومن حجم القربان إلى حضور التوجّه لله.
تأمل في معنى الآية وسياقها
نزلت هذه الآية في سياق الحديث عن الأضاحي، حين كان البعض يظنّ أن قيمة الذبيحة في حجمها أو في دمها الذي يُراق. فجاء الخطاب الإلهي واضحًا حاسمًا: الله لا ينظر إلى اللحم ولا الدم، بل ينظر إلى التقوى.
المقصود ليس الذبح في ذاته، وإنما ما يرافقه من إخلاص، وصدق، وخشوع، وتوجّه.
القيمة ليست في المظهر، بل في الغاية.
فالعمل الصادق هو الذي يصعد إلى السماء، لا ما يراه الناس.
ولهذا كانت التقوى هي الميزان الحقيقي لكل عبادة، لأنها جوهر العمل وروحه، وهي التي تُحوِّل الفعل من عادة إلى عبادة، ومن طقسٍ شكلي إلى قربٍ روحي.
تطبيق حياتي واقعي للرسالة
في حياتنا اليومية، قد نقوم بأعمال كثيرة ظاهرها خير: نساعد، نعطي، نتصدّق، نُصلي، نعمل، نخدم.
لكن السؤال الذي يطرحه القرآن علينا اليوم: لمن نفعل هذا؟
هل نفعل الخير لأن الله يراه… أم لأن الناس تُصفّق؟
هل نتجنب الخطأ حياءً من الله… أم خوفًا من البشر؟
هل نُتقن العمل في الخفاء كما نُتقنه في العلن؟
الآية تذكّرنا أن كل عمل بلا نية صادقة هو مجرد شكل لا روح فيه. وأنّ الله لا يصل إليه حجم أعمالنا بل صدقها.
فقد تعطي درهمًا وتُؤجر أضعاف من أعطى آلافًا، لأن قلبك كان حاضرًا، ونيّتك كانت خالصة.
إن رسالة الآية هي دعوة لإعادة ترتيب نوايا الحياة كلها — في العمل، والعلاقات، والعبادات، والاختيارات — على ميزان التقوى، لا على ميزان العيون التي تراقبنا.
رسالة اليوم
اجعل قلبك هو القربان الحقيقي.
نقِّ نيتك قبل عملك، واملأ سريرتك بما يرضي الله، ولا تشغل بالك بكيف يراك الناس.
فما يصل إلى الله ليس كثرة ما تقدّم، بل صفاء ما تحمل.
التقوى هي الطريق الأقصر إلى القبول، وهي البوابة الخفيّة التي ترفع أبسط الأعمال إلى أعلى الدرجات.



