اقرأ لهؤلاءتوب ستوري

محمد الشنتناوي يكتب… تفكيك التديّن الحزبي: قراءة اجتماعية في مشروع علي محمد الشرفاء الحمادي

 

قدّم مقال الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي رؤية فكرية واجتماعية عميقة تعيد وضع الإسلام في إطاره القرآني الجامع، وتحرّره من أسر التسييس والتحزّب، وهي رؤية لا تكتفي بنقد الواقع الديني والسياسي، بل تسعى إلى تفكيك أسبابه الاجتماعية وإعادة بناء الوعي الجمعي على أسس أخلاقية وإنسانية راسخة.

 

ينطلق الشرفاء من حقيقة اجتماعية باتت واضحة في المجتمعات العربية والإسلامية، وهي أن تحويل الدين إلى لافتة حزبية أو أداة صراع سياسي أنتج انقسامًا حادًا داخل المجتمع، وأضعف قيم التعايش، وخلق حالة من الاستقطاب الحاد بين “نحن” و“هم”. هذا التديّن الحزبي لم يُنتج أخلاقًا ولا عدلًا ولا سلامًا، بل غذّى خطاب الكراهية، وشرعن الإقصاء، وأعاد تشكيل العلاقات الاجتماعية على أساس الولاء التنظيمي لا القيم الإنسانية.

 

يبرز المقال، من زاوية اجتماعية، أن الخطر الحقيقي لا يكمن في اختلاف الاجتهادات، بل في مصادرة مرجعية القرآن لصالح جماعات نصّبت نفسها ناطقًا باسم الله. هذا السلوك، كما يبيّن الشرفاء، أحدث خللًا عميقًا في بنية المجتمع؛ إذ حوّل الدين من منظومة قيم تضبط السلوك العام إلى أداة تعبئة وصراع، وأضعف الثقة بين الناس، وفتح الباب أمام العنف الرمزي والمادي باسم “الدفاع عن الإسلام”.

 

يدعو الشرفاء إلى العودة إلى القرآن بوصفه مرجعية أخلاقية جامعة، لا نصًا يُوظَّف لتبرير الصراع. اجتماعيًا، تمثّل هذه الدعوة محاولة جادة لإعادة ترميم النسيج الاجتماعي، لأن الاعتصام بحبل الله – كما يطرحه المقال – ليس شعارًا تعبديًا مجردًا، بل قاعدة اجتماعية كبرى تمنع التشرذم، وتؤسس لوحدة قائمة على القيم لا على الانتماءات الضيقة.

 

ويقدّم المقال تصورًا للإسلام بوصفه مشروعًا لبناء الإنسان الصالح اجتماعيًا، لا مجرد فرد ملتزم بطقوس. فالإنسان المسلم، وفق هذا الفهم، يُقاس بمدى عدله، ورحمته، واحترامه لحقوق الآخرين، وقدرته على كبح العدوان، ونبذ الحقد، ونشر السلام. هذه القيم، حين تُفعَّل اجتماعيًا، تتحول إلى طاقة استقرار تمنع الانهيار الأخلاقي الذي تعاني منه المجتمعات حين يغيب الضابط القيمي ويحل محله الصراع الأيديولوجي.

 

يمتاز طرح الشرفاء بجرأته في تحميل المسؤولية الاجتماعية لخطاب ديني تقليدي ساهم – بقصد أو بغير قصد – في إرباك وعي الناس، حين قدّم الروايات والفتاوى المتناقضة على حساب النص القرآني الواضح. هذا الإرباك انعكس اجتماعيًا في صورة ازدواجية سلوك: تدين ظاهري يقابله فساد أخلاقي، وشعارات دينية تصاحبها ممارسات قمعية أو إقصائية، وهو ما أفقد الدين قدرته على الإصلاح.

 

من منظور اجتماعي، يحمل المقال رسالة تحذير شديدة الوضوح: المجتمعات التي تفصل بين الإيمان القيمي والسلوك العملي محكوم عليها بالتفكك. ولذلك يربط الشرفاء بين الإيمان الحقيقي والتطبيق العملي للمنهاج الأخلاقي في العلاقات اليومية، داخل الأسرة، وفي الشارع، وفي العمل، وفي المجال العام. فالإسلام، كما يقدّمه، ليس هوية صدامية، بل منظومة حياة تُنتج مواطنًا صالحًا، وشريكًا إنسانيًا، وفاعلًا إيجابيًا في مجتمعه.

 

ينتهي المقال بنداء إنساني يتجاوز الوعظ التقليدي، ويدعو إلى مراجعة جماعية قبل فوات الأوان. هذا النداء، اجتماعيًا، يعكس إدراكًا عميقًا بأن الأزمات التي تعيشها المجتمعات ليست أزمات اقتصاد أو سياسة فقط، بل أزمات وعي وقيم. وحين يستعيد الإنسان عهده مع الله من خلال القرآن، لا من خلال الجماعات، يصبح أكثر تحررًا، وأكثر مسؤولية، وأكثر قدرة على الإسهام في بناء مجتمع عادل وآمن.

 

بهذا المعنى، لا يقدّم الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي مقالًا دينيًا تقليديًا، بل يطرح مشروعًا إصلاحيًا ذا أبعاد اجتماعية عميقة، يهدف إلى تحرير الإنسان من الخوف والكراهية، وإعادة الإسلام إلى موقعه الطبيعي: مصدرًا للأخلاق، وبوابة للسلام، وأساسًا لوحدة المجتمع واستقراره.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى