
قال الدكتور أحمد كريمة أستاذ الفقه المقارن والشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر الشريف، ردا على مقال “أصول ومرتكزات تصويب الخطاب الديني” للمفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي، أن المعالجة الفكرية لم تتم بالقدر الكافى فى ملف تصويب الخطاب الدينى، مشيرا إلى أن مسألة تجديد الخطاب الدينى تتطلب إرادة جادة من المؤسسات الدينية سواء الأزهر الشريف أو دار الافتاء ووزارة الأوقاف بجانب الكنيسة المصرية، لأن الخطاب الدينى يهم جميع المصريين، فضلا عن وزارات الثقافة والشباب والرياضة، بالإضافة إلى منظمات المجتمع المدنى التى لها دور كبير فى هذا الملف، مؤكدا أننا بحاجة إلى خطاب دينى جديد، لأننا نتعبد إلى الله بالمذاهب وليس بالدين، ولذلك إذا كنا نريد تصويب الخطاب الدينى فالأمر يتطلب فلتره الإسلام من المذاهب الطائفية والقومية .
وأكد الدكتور أحمد كريمة، أن هناك فرق بين الفقه والشريعية والعقيدة والإيمان، وفرق أيضا بين السلوك والأحلام” مضيفا أن الأمة الإسلامية أصبحت منقسمة إلى مذاهب وداخل المذهب الواحد تيارات مختلفة، مشددا على أهمية معالجة المذاهب الطائفية.
وأشاد أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، بإصلاح وتطوير المناهج الأزهرية وتنقيحها من النصوص والأقوال التراثية التى قيلت فى سياقات مختلفة لا تتناسب مع الواقع المعاصر، وتضمينها بما يساعد على نشر ثقافة السلام والتعايش والمواطنة بين جميع الشعوب والثقافات، وإنشاء الهيئات والقطاعات الجديدة التى تعنى بالفكر الإسلامى وقضاياه المعاصرة وتسهم فى تجديد الفكر الدينى ونشر الفهم الوسطى للإسلام، وحصر شبهات جماعات العنف والتطرف وتفنيدها والرد عليها من خلال نخبة متميزة من علماء الأزهر، بما يسهم فى الحد من أفكار التطرف والإرهاب، ويساعد فى استقرار المجتمعات الإنسانية.
وأعرب كريمة عن شكره لمؤسسة الأزهر للاهتمام بقضايا المرأة وتجديد الآراء الفقهية المتعلقة بها، وقد ظهر ذلك فى مشروع قانون الأزهر للأحوال الشخصية، وإصدار البيانات التى تندد بظاهرة العنف الموجه ضد المرأة، ورفض زواج القاصرات اللواتى لم يبلغن السن القانونى للزواج، وإصدار القرارات التى توفر كل السبل التى تضمن حقوق المرأة التعليمية والاجتماعية والقانونية.
وإلى نص مقال المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي “أصول ومرتكزات تصويب الخطاب الديني.. رؤية قرآنية” :
التجديد يعني التحديث، ويتطلب ذلك حَذْف بعض عناصر الدين وإستبدالها بعناصر جديدة، والنَّاس يعلمون بأنَّ الدين عند الله هو الإسلام، الذى أنَزله الله على رسولِه الكريم فى آيات بينات وتشريعات إلهية وعبادات تضمَنت قواعد وتعليمات.
وإذا إتبعنا مُصطلح التجديد فكأنَّما الأمر يتطلب تبديل الآيات لتحل محله آيات جديدة، تتوافق مع مُتطلبات العصر، بينما تصويب الخِطاب الديني ، يعنى تصحيح الإستنباط الخاطئ للآيات، والجهل بمعرفة مقاصدها لمنفعة الانسان، كما أنَّ الخِطاب الإلهي وتشريعاته وتعليماته، صالح لكل زمان ومكان ولمُختلف العُصور.
فالعدل صالح فى كل عصر والرَّحمة والسلام والحُريّة والتعاون والإحسان والتسامُح وكثير من القيَم السامية والتشريعات التى سبَقت الحضارة الإنسانية فى إحترام حق الإنسان فى الحياة والعيَش الكريم فى ظل الأمن والإستقرار.
تصويب الخِطاب الديني قائم على مرجِعيَة القرآن
ومن هُنا يتطلب تصويب الخطاب الديني على الإعتماد فقط على مرجِعية القرآن رسالةِ الله للإنسان، وعندما إعتمد المُفسرون وأهل الفتوى على مراجِع بشرية وعلى روايات وإسرائيليات كاذبة، إلتبَست المفاهيم وضاعت حقيقة رسالةِ الإسلام التى تُضيء للإنسانية طريق السلام والخَير والرحمة والعَدْل.
وهي بالطبع، ليست كما صَورَها المُفسرون وأصحاب الروايات، تدعو إلى سَفْك الدم والتّجَني على الحُقوق والإستيلاء على الأموال وقَتْل النُفوس البريئة.
وحولت المنتمين لمرجِعيات الروايات إلى وحوش إفتقدت الرحمة وإستباحت العَدَالة وزَرَعت الخَوف والفَزع فى قلوب الناس والله يُريد لهم حياة آمنة مُستقرة فى خطابه الإلهي الذي سيظل يتفاعل مع الحياة حتى قيام الساعة، فلا يحتاج إلى تجديد بل يتطلب تجرُد العقول من الهوى والنَفْس الأمَّارة بالسوء وفهم المعانى الحقيقية التى تُحقق مُراد الله لخلقه حياة كريمة فى سلام وطُمانينة تُحقق السعادة للجميع ويعيشوا اخواناً متحابين مُتعاونين لا ظُلم ولا ظَلام، لا بَغي ولاعدوان كل يعبد الله وكل له دينه كيفما أراد والحُكم لله يوم الحساب، تأكيداً لقوله سبحانه: “إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَىٰ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ “.(الحج : 17)
لذلك وَضَع الله سبحانه قاعِدة إلهية تتعلق بإختصاص الحُكم على عِباده له وحدَه دون غيرِه ولَم يُعَين على الناس رقيباً على عباداتهم فلكلٍ منهم مَنهجه ومَذهبه والله وحده يُجازى من يعمل صالحاً ومن أساء فله حسابه يوم القيامة ولا يَحِق لإنسان أنْ يُراقِب الناس فى شعائرهم العِبادية أو يمنعهم من مُمارستها حيثُ قال لرسوله: “رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْۖ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْۚ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا”.(الإسراء :54)
كما وَضَع تشريعاً للناس جميعاً فى حُرية الإعتقاد الدينى، بقوله تعالى: “وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْۚ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَاۚ وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَۚ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا”.(الكهف :29).









