
اتفق الدكتور جابر طايع وكيل وزارة الأوقاف الأسبق، مع رؤية المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي فى مقال “دور العبادات في تحقيق العدالة والأخلاق”، موضحا ، انه من الضروري تطبيق العبادات وتحويلها إلى سلوك يتعامل به المسلمون في حياتهم اليومية لتسود الأخلاق ولتتحقق المساواة والعدالة بين الناس.
أضاف طايع أن العبادات اليومية هي مجموعة من الوسائل التي يستطيع من خلالها الإنسان أن يتقرب من الله سبحانه وتعالى ليغفر له ذنوبه وليجعله من أهل الجنة، كذلك فإن هذه العبادات تبث الراحة والطمأنينة في قلب المؤمن وتجعله راضي ومقتنع بكل النعم التي أنعمها الله عليه دون الشعور بالتذمر والاعتراض .
وأوضح الدكتور جابر طايع، أن العبادة تعمل دائما على تطهير الذات الإنسانية من كل الذنوب، وتساهم بإنقاذها من مختلف الأمراض النفسية والأخلاقية، وتسعى لأن يكون المحتوى الداخلي مطابقاً للمظهر والسلوك الخارجي، لإزالة التناقض والتوتر الداخلي، ولتحقيق انسجام كامل بين الشخصية، وبين القيم والمبادئ الحياتية السامية .
وتابع طايع ” العبادات تدريب عملي على الإخلاص والإتقان، حيث أن العبادة شعور دائم بوجود الله وإيقاظ مستمر للضمير والوجدان ، لأن وقوف الإنسان بين يدي الله تعالى، واسـتمرار العلاقة به يشـعره بقربه من الله، وحبه له، وعطفه عليه، كما يشعره بقيمته الإنسانية، وعلو قدره “.
وأشار وكيل وزارة الأوقاف الأسبق، أن أهم أركان الإسلام هي الصلاة، بعد توحيد الله تعالى نجد أنها من أعظم وسائل تزكية النفوس، وذلك التدريب على النظام والتلاحم والتواصل لا يكون داخل الصلاة أو داخل المسجد فقط بل لابد أن يمتد أثره خارج الصلاة وفي العلاقات والمعاملات، مشيرا إلى أن هنالك آثارا نفسية عظيمة للصلاة، فعندما يتم المؤمن خشوع الصلاة فإن ذلك يساعده على التأمل والتركيز والذي تعد أهم الطرق لمعالجة التوتر والإرهاق العصبي، كما أن الصلاة علاج للغضب والتسرع والتهور، فهي تعلم الإنسان كيف يكون هادئاً وخاشعاً وخاضعاً لله عز وجل وتعلمه الصبر والتواضع.
وإلى نص مقال المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي “دور العبادات فى تحقيق العدالة والأخلاق”:
يتناول المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي في مقاله “دور العبادات في تحقيق العدالة والأخلاق” أهمية العبادات كوسيلة لتحقيق القيم الأخلاقية والعدالة في المجتمع، مشيرًا إلى أن أركان الإسلام لا تقتصر على الشعائر التعبدية فقط، بل يجب أن ترتبط بتطبيق القيم الإنسانية السامية. يوضح الكاتب أن القرآن الكريم ركز على معاني البر والتقوى التي تدعو إلى تعزيز الأخلاق والتعامل الحسن مع الآخرين.
يشير الكاتب إلى دور العبادات مثل الصلاة والزكاة والصوم والحج في تهذيب النفس، حيث تعمل هذه العبادات على تصحيح سلوك الأفراد وتطهير نفوسهم من الرذائل. كما أنها تُسهم في تقليص الفجوات بين الأغنياء والفقراء، وتجسيد مفهوم المساواة بين البشر، مما يساهم في بناء مجتمعات متراحمة ومتعاونة.
في المقال، يُشيد الكاتب بالمعاني السامية للإسلام كدين يحث على الأخلاق العالية والفضائل الإنسانية، مؤكدًا أن الرسالة الإسلامية لا تهدف فقط إلى تعليم العبادات، بل إلى تحقيق العدل والإنسانية والتعاون بين البشر.
إنَّ الأصلَ في الدِّينِ أنْ يقومَ على العدلِ والأخلاقِ والمبادئِ الإنسانيَّةِ الساميةِ؛ تأتي هذهِ الروايةُ لتقولَ عكسَ ذلك، بلْ وتختزلُ أركانَ الإسلامِ في ممارساتٍ تعبُّديَّةٍ وشعائرَ، إنْ أقامها الفردُ حَسُنَ إسلامُهُ واستقامَ دينُهُ ولوْ كانَ سارقًا أوْ خائنًا أوْ كاذبًا أوْ حتى قاتلًا، ما دامَ قد أدَّى الأركانَ المذكورة. ومنْ هنا نرى أنَّ القرآنَ الكريمَ حدَّدَ معالمَ الإسلامِ لرسالتهِ الإنسانيَّةِ التي تُبيِّنُ للناسِ حقيقةَ الرسالةِ بقولهِ تعالى: “لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ” (البقرة: 177).
وقالَ تعالى: “وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا” (الفرقان: 63).
وقال تعالى: “وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا” (الإسراء: 53).
وقال تعالى:”وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا” (الإسراء: 23).
والأمثلةُ كثيرةٌ للآياتِ التي تحضُّ على التمسكِ بالأخلاقِ والقيمِ القرآنيةِ النبيلة. فأين المسلمونَ منْ تلكَ الأخلاقِ والسلوكِ التي أرادَ اللهُ تعالى باتباعها لبناءِ مجتمعاتٍ حضاريةٍ متحابةٍ متراحمةٍ متعاونةٍ على العملِ الصالح؟ وكيفَ أُسقِطَ من أركانِ الإسلامِ المنهجُ الإلهيُّ المتكاملُ لصالحِ الإنسانِ، وتمَّ التعتيمُ عليهِ وهوَ منْ أهمِّ الأسسِ في التربيةِ الإنسانيةِ لإعدادِ الإنسانِ الصالح.
فالصلاةُ تنهى عن الفحشاءِ والمنكرِ منْ ظلمٍ وأكلِ أموالِ الناسِ بالباطلِ ونقضِ العهودِ والنميمةِ والإشاعاتِ والاعتداءِ على الناسِ دونَ وجهِ حقٍّ والتعاونِ على الإثمِ والعدوان.
والزكاةُ مهمةٌ في مساعدةِ الفقراءِ والمساكينِ وتقليصِ الحاجزِ النفسيِّ بينَ الأغنياءِ والفقراءِ، والتعاملِ معهمْ بالرحمةِ والإحسانِ، وذلكَ يحصنُ المجتمعاتِ منْ السرقةِ أوْ الاعتداءِ على الأموالِ وتطهيرِ النفسِ منْ الشح. وتُعدُّ الزكاةُ عبادةً عظيمةً جعلَها اللهُ سبحانهُ دائمًا مقترنةً بالصلاة، حيثُ قالَ تعالى:”وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ” (البقرة: 43).
وبتنفيذِ الطاعةِ لله يتحققُ بذلكَ للإنسانِ اليقينُ بأنَّ الله سيعوضهُ عمَّا أنفقَ، وتزدادُ ثقتُهُ في وعدِ الله، فما عندَ اللهِ منْ رزقٍ لا ينفد، كما تطهرُ الزكاةُ النفسَ منَ الجشعِ والخوفِ منْ نقصِ المال، ليؤمنَ الإنسانُ بأنَّ مَنْ رزقهُ في الماضي لنْ يتخلى عنهُ في المستقبل.
وحَجُّ بيتِ اللهِ الحرام، حيثُ يرى الناسُ أنفسَهم جميعًا من شتى بقاعِ الأرض متساوينَ في الملبسِ والمسكنِ، تذوبُ الفوارقُ بين الناسِ حينما يتساوى الملكُ والصعلوكُ، والغنيُّ والفقيرُ، والقويُّ والضعيفُ، والكلُّ أعناقُهم مشرئبَّةٌ للسماءِ، والكلُّ ينادي: لبيكَ اللهمَّ لبيكَ، واللهُ أكبرُ مما نخافُ ونحذرُ، فلا كبيرَ غيرَ الله، ولا غنيَّ غيرَ الواحدِ الأحدِ، ولا ملكَ غيرَ الحيِّ القيوم.
يستهدفُ حجُّ بيتِ اللهِ التعارفَ بين المسلمين من أجل تحقيقِ مصالحَ ومنافعَ بينهم، حيثُ يقول سبحانه وتعالى: “لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ” (الحج: 28).
وتحققُ تلك الرحلةُ الدينيةُ ممارسةً عمليةً في التواصلِ بين الناسِ والتعارفِ، كما يتخلى الإنسانُ عما لحقه من شوائبَ وآثامٍ في حياته الماضية، يلجأُ إلى اللهِ بالذكرِ والدعاءِ أثناءَ الطوافِ والسعي، حيثُ يرى كلُّ إنسانٍ مشغولاً بنفسه، وكلُّ إنسانٍ يسعى ملبِّيًا وداعيًا اللهَ أن يغفرَ له ما اقترفَهُ من ذنوبٍ، راجيًا توبتهَ ورضاهَ. فيدركُ الإنسانُ بعد عودتِه من الحجِّ أو العمرةِ إلى وطنهِ، يراجعُ حساباتِه ويؤكِّدُ استمرارَ صلتِه مع اللهِ في عبادتهِ وعملهِ، حيثُ يعودُ إلى رشدِه ويدركُ حقيقةَ خلقهِ، ويستمدُّ الطاقةَ من ربِّه، وترتقي بذلك نفسُه، يرجعُ لوطنه وقد ازدادَ إيمانًا وأدركَ قيمةَ الحياةِ فهي متاعُ الغرور، ليصحِّحَ من سيرتِه؛ فيتحسنَ سلوكُه ليعيشَ حياةً سعيدةً مطمئنةً وراضيةً بما قسمَ له اللهُ من رزقٍ وصحةٍ.
وأما الصومُ في شهرِ رمضانَ، فهو التزامٌ بطاعةِ اللهِ وتدريبٌ للنفسِ على السيطرةِ على الشهواتِ وكبحِ جماحِها عن كلِّ ملذَّاتِ الحياةِ والانقطاعِ لعبادةِ اللهِ وحده، والتحلِّي بالأخلاقِ الفاضلةِ بممارسةِ التسامحِ مع الناسِ والإحسانِ إليهم، والإعراضِ عن اللغوِ، ولا يتعالى على خلقِ الله، ولا يأكلُ أموالَ الناسِ بالباطلِ، وأن يتحلَّى بالصدقِ والوفاءِ بالعهودِ والعقودِ، وعدمِ الاعتداءِ على الناسِ باللسانِ أو باليدِ، والابتعادِ عن النميمةِ؛ فيطهرَ النفوسَ فترتقي إلى مصافِّ عبادِ الرحمنِ الذين استقاموا على الصراطِ المستقيمِ، وتسابقوا إلى الخيراتِ وعملوا الصالحاتِ
إن كلُّ الشعائرِ والعباداتِ هي وسائلُ لتلك المقاصدِ الأخلاقية، ذلك أنَّ الإسلامَ يتمحورُ في عنوانِ الأخلاقِ العاليةِ التي دعا إليها القرآنُ، وهي نفسُها الأخلاقُ التي دعا إليها الأنبياءُ والتزموا بها عليهم السلام، حتى مبعثِ الأمينِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، خاتمِ الأنبياءِ والمرسلين.
إذن، لا يوجد نصٌّ في القرآنِ جاءت آياتُه تقول: إنا أرسلنا رسولَنا ليعلِّمَ الناسَ الصلاةَ والزكاةَ والصومَ والحجَّ، فهذه ليست مقاصدَ الخالقِ سبحانه ومرادَه لخلقِه، وإنما هي فرائضُ وشرائعُ ليست مطلوبةً لذاتها، وإنما وسائلُ مطلوبةٌ لغيرِها، وهو تحقيقُ العبوديةِ للهِ تعالى والاستخلافِ وعمارةِ الأرض.
ولذلك، أرسلَ اللهُ الرسلَ، وأنزلَ معهم كتبَه ليقومَ الناسُ بالقسطِ في كلِّ الأعمالِ الخيِّرةِ والفضائلِ والأخلاقِ التي من موجباتِها الارتقاءُ بأخلاقياتِ الإنسانِ حتى لا يفسدوا في الأرضِ، أو يعتدوا على الناسِ، ويسفكوا الدماء، ولكي يخلفَ بعضُهم بعضًا، ويعمِّروا الأرضَ حقَّ عمارتِها، ليكونوا قد أدوا الأمانةَ، فينالوا بذلك سعادتَهم في الدنيا والآخرة.










