
قال الدكتور طارق البرديسي، خبير العلاقات الدولية، ردا على مقال المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي “أسس النهضة العربية في ظل التغيرات العالمية” أن العالم العربي يجمعه تاريخ مشترك ولغة واحدة ووحدة جغرافية متواصلة ودين واحد، لذلك فإن العرب أولى بأن يكونوا وطنا موحداً، مشيرا إلى أنه تم تقسيم الأمة العربية عام 1916 عبر اتفاقية سايكس بيكو، بزرع الكيان الصهيوني في قلب الأمة العربية لإبقائها مفتتة، ولعرقلة أي محاولة للنهضة الشاملة .
وأوضح أن الوطن العربي من المحيط إلى الخليج يعي ذلك جيدا، وقد أثبت تمسكه القاطع بهويته العربية ، وإلتفافه حول قضيته المركزية فلسطين لإقتناعه أن الكيان الصهيوني ليس هدفه احتلال فلسطين فقط وانما لعرقلة أي محاولة لنهضة الأمة العربية .
وأشار الدكتور طارق البرديسي، خبير العلاقات الدولية، إلى أنه ينبغي الإعتراف بأن صناعة الجهل تمارس حاليا بصورة ممنهجة ومتعمدة في كل ما يخص حاضر ومستقبل الشعب العربي، ويتوجب على المختصين من أبناء الشعب العربي التصدي لهذه الصناعة المقصودة بإنتاج ما يفيد ويجذب المواطن العربي بشكل علمي منهجي ومدروس، موضحا أن الوضع الحالي للمنطقة العربية يثبت من الناحية الواقعية عدم إمكانية تحقيق الاستقرار فيها، وبالتالى النهضة الشاملة والدفاع عن مقدراتها وصيانة حقوق وكرامة شعبها، لا يكون إلا بوجود كيان عربي متحد اتحادا كاملا تحت مسمى “الولايات العربية المتحدة ” وهذه حقيقة علمية واقعية وليست شعارات عاطفية رنانة، حيث لن تستطيع الدول العربية مواجهة التحديات العالمية الضخمة في عصر التجمعات العالمية الكبرى بشكل منفرد .
وأضاف خبير العلاقات الدولية أن من أساسيات نهضة الدول بناء المصانع الحديثة ذات التقنيات العالية والمنتجة بمقاييس عالمية منافسة للسوق المحلى والتصدير، وكذلك رفع نسبة البحث العلمي من الدخل القومي لتتماشى مع متطلبات العصر، لافتا إلى أن العالم العربي يعد قلب العالم الإسلامي، وبالتالي فالعالم الإسلامي سيكون أقوي بعالم عربي موحد، ومن أجل الوصول لهذا الهدف، لابد من التركيز على بناء ثقافة الديمقراطية ، وعلى النشر الممنهج والشامل لثقافة التسامح وقبول واحترام الآخر على مستوى الأفراد في الوطن العربي ونبذ الميل للعنف والعنصرية بكافة أشكالها، ويدعو بتشكيل رأي عام عربي يمثل قاسما مشتركا بين مختلف التوجهات الفكرية والسياسية والأيديولوجية وضاغطا باتجاه الوحدة العربية .
وتابع خبير العلاقات الدولية ” الوضع العربي الحالى المفكك لا يستطيع مواجهة التحديات المصيرية للأمة العربية، لذلك نجد أن القوى العالمية تدرك ذلك، وتعمل لعرقلة ما يحلم به أبناء الشعب العربي بقيام إتحاد عربي على أسس ثابتة ” .
وقال أن العالم العربي يعاني من سوء الأوضاع في جميع المجالات، حيث لا تتوفر أساسيات الحياة الكريمة للمواطن العربي في كثير من الأقطار العربية بسبب الحروب والانقسامات ، وما نتج عنه من قتل للنساء والأطفال والرجال والعجائز، وتهجير قسري إلى بلاد العالم ، وما يسببه من موت وإهانات .
وتابع البرديسي ، أنه في ظل التوترات الإقليمية المتزايدة، والتحولات الاقتصادية السريعة التي تعيشها المنطقة العربية، تجد الدول العربية نفسها وسط مرحلة دقيقة مملوءة بالتحديات التي تفرض على الحكومات وصناع القرار الاستعداد لمستقبل اقتصادي وسياسي مختلف، فقد تحولت المنطقة لتنافس وصراعات القوى الكبرى والإقليمية التي تسعى إلى مزيد من الهيمنة والنفوذ، وأصبحت الصراعات الجيوسياسية في المنطقة العربية تتزايد، إذ توجد علاقة تبادلية بين الصراعات السياسية والأزمات الاقتصادية، فكل منهما تؤثر على الأخرى، ما يجعل الوضع أكثر تعقيدا، بل يضع استقرار بعض الدول على المحك، مشيرا إلى أن حجم التحديات الاقتصادية التي تواجهها المنطقة، قد تشهد أسعار النفط زيادة بنسبة 30 في المئة، وما ينتج عنه زيادة أسعار السلع الأساسية، كما سيؤدي إلى زيادة الضغوط التضخمية التي يواجهها العالم العربي اليوم، ومع استمرار الصراعات، فإن مثل هذا الارتفاع سيؤدي إلى تقليص النمو .
والى نص مقال المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي ” أسس النهضة العربية في ظل التغيرات العالمية ” :
لقد شَرُفت الأمة العربية برسالةٍ إنسانيةٍ ساميةٍ حملها ابنٌ من أعظم أبنائها وأشرفهم نسبًا ومكانةً، محمد بن عبد الله ﷺ، الذي رفع راية التوحيد، ودعا إلى تحرير الإنسان من كافة أشكال العبودية، واضعًا أسسًا لحياةٍ متحضرةٍ راقيةٍ مبنيةٍ على قيمٍ سماويةٍ سامية، أساسها العدل، ومنتهاها الرحمة، وبينهما تعاليم أخلاقية متصلة بعضها ببعض لبناء المواطن الصالح. وقد قررت الرسالة نصوصًا واضحةً وأوامرَ إلهيةً لا تقبل الجدل، وضعت أسسًا جليةً لحقوق الإنسان، وحررته من كل ما يعيق حركته في حياةٍ كريمة، سواءً في اختيار دينه أو أسلوب حياته، بشرط ألّا يترتب على سلوكه إضرارٌ بنفسه أو بغيره. تلك هي مبادئ السلوك الحضاري في التعامل بين الإنسان وأخيه الإنسان، حيث نرى في القرآن الكريم أسمى صور الحوار وعظمته، بين الخالق سبحانه وملائكته، وبين الخالق وعباده، دون بطشٍ أو مصادرةٍ للرأي، فهو سبحانه يعلّمنا كيف يكون الحوار، مخاطبًا العقل بالمنطق تارةً، وبالأمثال تارةً أخرى، ويقرّب لنا النتائج من خلال العرض الرائع لأحداث الأمم السابقة، لنستفيد من تجاربهم ونتجنب أخطاءهم، حتى نسير على الطريق الآمن. وانطلاقًا من هذا المفهوم، فقد كانت الأمة العربية سبّاقةً إلى اعتماد أسلوب الحوار الهادف لتحقيق مصلحة جميع الأطراف، وتوفير الجهد والمال والدم، بديلًا عن الخلافات والنزاعات، خصوصًا بين القادة العرب، التي تكاد أن تنسف ما تبقى من روابط الأخوّة، وتقطع أواصر العروبة ورابطة المصير المشترك. ومن شأن اتباع هذا النهج أن يقدّم للعالم صورةً حضاريةً مستمدةً من تعاليم ديننا الحنيف وقيمه في التعامل، حيث يتقدم كل طرف إلى الآخر بمد يد المودة والسلام، اقتداءً بمنهج محمدٍ عليه الصلاة والسلام، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِ وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ﴾ (سورة النحل، الآية 125)، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَسۡتَوِي ٱلۡحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّيِّئَةُ ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيۡنَكَ وَبَيۡنَهُۥ عَدَٰوَةٞ كَأَنَّهُۥ وَلِيٌّ حَمِيمٞ﴾ (سورة فصلت، الآية 34). في ظل التحديات الراهنة، حيث يواجه العالم اضطرابات سياسية متزايدة، وتتصاعد التهديدات والتوترات الدولية، إضافةً إلى الأزمات الاقتصادية التي باتت تعصف بالدول، محدثةً موجاتٍ من التضخم والركود الاقتصادي الذي يثقل كاهل الشعوب . فإن الأمة العربية تقف اليوم أمام مفترق طرق، إما أن تستعد لمجابهة هذه الأعاصير الاقتصادية والسياسية والاجتماعية عبر تعزيز التكامل والتعاون المشترك، أو تجد نفسها في موقف يزيد من معاناة أبنائها، ويعمّق من أزماتها الاقتصادية والاجتماعية، مما يجعلها أكثر عرضةً للاستغلال والضغوط الخارجية. إن المرحلة القادمة تفرض على الدول العربية إعادة النظر في سياساتها الاقتصادية والاستراتيجية، والاستفادة من الفرص الناشئة وسط هذا التغير المتسارع، حتى لا تبقى مجرد متلقٍّ للقرارات الدولية، بل تصبح لاعبًا رئيسيًا قادرًا على حماية مصالحه وبناء مستقبلٍ أكثر استقرارًا لأبنائه.










