
اتفق الدكتور أحمد كريمة أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر، مع رؤية الكاتب والمفكر العربي علي محمد الشرفاء في مقاله “الصيام غايته التقوى”، مؤكدا أن الغاية من الصيام تقوى الله سبحانه وتعالى أولا وأخيرا، ولم يرد الله أن يجوعنا، ولكن أراد منا أن نتعلم التهذيب للنفس والتدريب على الصبر، ونتعلم تقوى الله، خاصة أنه أيام معدودات، فيجب علينا الاجتهاد بالعبادات والطاعات.
وأوضح أن الله عز وجل قد شرع الصيام لمقاصد سامية، وحكم جليلة، فهو مدرسة للإيمان والأخلاق، يتلقى فيه الصائم دروس الأخلاق، ويتربى على أحسن الطباع، وتتحقق من خلاله معاني عظيمة، ومقاصد سامية، مشيرا الى أن المتأمل في القرآن الكريم يجد أن الحق سبحانه وتعالى ذكر الغاية من الصيام في كتابه العزيز: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون}، لافتا إلى ان المقصود من قوله “لعلكم تتقون” ليست التقوى في شهر رمضان فقط بل في سائر العام، حيث أن الصيام يعد تدريبا وتعليما ربانيا للمسلم على التقوى.
وتابع الدكتور أحمد كريمة ” للصوم عدة مقاصد وفوائد أبرزها التقرب إلى الله عز وجل بالصيام والعبادات والطاعات والذكر وقراءة القرآن، فالصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، بدليل قول الرسول صلى الله عليه وسلم: “مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ” .
أضاف أن من فوائد الصوم تطهير النفس من الذنوب والمعاصي، وتعلم الصبر والتحكم في الشهوات وترك المنكرات، والعطف على الفقراء والمحتاجين والتعلق بالمساجد، لافتا إلى أن الحفاظ على الوقت من أبرز المقاصد والمظاهر الإيجابية للشهر الكريم، حيث أن رمضان يعلمنا قيمة الوقت وكونه من أهم النعم التي ينبغي علينا أن نحسن الاستفادة منها واستغلالها في طاعة الله عز وجل، والعمل على تحقيق أهدافنا المعنوية والروحانية، بالإضافة إلى البعد عن الكسل وتجنب الخمول، والاجتهاد والعمل بجد لخدمة المجتمع، موضحا أن المسلم بإمكانه فعل الكثير خلال شهر رمضان وفي كل يوم من أيامه، مؤكدا أن شهر رمضان يعد تدريبا عمليا للمسلم على كيفية إدارة وقته في سائر العام، وحسن التخطيط لمستقبله .
وأشار أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر ، الى أن من أهم مقاصد الصيام التكافل والتراحم والعطاء والكرم، وشعور الإنسان بحال من حوله من الفقراء والمحتاجين ويقضي حوائجهم، فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، لافتا إلى أنه إذا كان أجر التكافل والتراحم، والجود، وإطعام الطعام عظيما في شهر رمضان، فإن ذلك يعد تدريبا للمسلم على البذل والعطاء في سائر شهور العام، داعيا الأغنياء ورجال الأعمال باتخاذ شهر رمضان فرصة لتقديم العون للمحتاجين والعمل على النهوض بهم في رمضان وغير رمضان من خلال إقامة المشروعات التي تخلق فرص عمل للشباب والمحتاجين، حتى يستطيعوا أن ينهضوا بأنفسم وبوطنهم،
مؤكدا أن شهر رمضان لم يكن شهر صيام وقيام ودعاء واعتكاف وإكثار من العبادة فقط، بل كان شهر جهاد للنفس،
حيث أنزل فيه القرآن الذي هو دستور الأمة ومن عمل به اهتدى إلى صراط مستقيم في الدنيا والآخرة ويأتي دائما شهر رمضان ليذكرنا بما أنزل على رسولنا الكريم صل الله عليه وسلم، كما تتجلى عظمة الشهر الفضيل في فرض الله على المسلمين الصيام طول الشهر إيمانا واحتسابا وشكرًا لله على نزول المنهج الإلهي الذي يعتدل به كل مسلم في حياته .
وأكد الدكتور أحمد كريمة أن الصيام هو الامتناع عن الجوارح في معناه الأشمل ليحقق الإنسان التقوى بتجنب المعاصي والابتعاد عن الكذب والغيبة وغض النظر والتحلي بالفضائل، ومن الضروري قراءة القرآن الكريم وتدبره في هذا الشهر العظيم، موضحا اغتنام فرصة شهر رمضان الكريم للتوبة وعلى الشباب اغتنام الفرصة للتحلي بالطاعات والعودة إلى الله حتى يبارك له في ماله وحياته وعمره، موضحا أن الله لم يفرض صيام رمضان علينا لمجرد الامتناع عن الطعام والشراب من الفجر إلى المغرب، حيث قال النبي صل الله عليه وسلم “رب صائم لم ينل من صيامه إلا الجوع والعطش” أي أنه لم يحقق المقصد الذي أراده الله سبحانه وتعالى، متابعا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال “خاب وخسر من أدرك رمضان ولم يغفر له”، موضحا أن رمضان فرصة عظيمة وزمن مبارك لمغفرة الذنوب وعتق الرقاب من النار .
ولفت كريمة إلى أن تحصيل التقوى يكون من خلال مراعاة أداب وأحكام الصيام، فالصيام ليست الامتناع عن الطعام والشراب فقط، مشيرا إلى أن العلماء أكدوا أن هناك صيام العوام، ويتمثل في الامتناع عن الطعام والشراب، وصيام الخواص، وهو صوم كل الجوارح مثل العين واللسان والأذن واليد، كما أن الذنوب في رمضان مضاعفة مثل الحسنات التي تضاعف أيضا .
والى نص مقال المفكر العربي علي محمد الشرفاء “الصيامُ غايتُه التقوى” :
صيام شهر رمضان وسيلةٌ فقط تهدف إلى الوصول إلى غاية منشودة وهي التقوى، وهذا واضحٌ في قول الله عز وجل “يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ” (البقرة: 183).
والتقوى هي أداء تكاليف العبادات كما أمر الله، والخوف منه يوم الحساب الذي يمنعه من ارتكاب أنواع المعاصي كافة، وكفُّ الأذى والعدوان والبعد عن الظلم والبغي والتقرب إلى الله بتلاوة القرآن والتدبر في آياته واتباع ما أنزل الله واجتناب ما حرمه، قال تعالى: “وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ” (المائدة: 2).
فالله عز وجل يأمر المسلمين بالتوسع في أعمال الخير والإحسان والتعاون في سبل الخير كافة والإصلاح بين الناس والتكافل في مساعدة المحتاجين ورفع الضرر عن المظلومين والامتناع كليًّا عن مساعدة الظالمين وإعانة المعتدين، واتباع سبل العدل والدفاع عن الحقوق.
لقد ابتُليت الأمة ببعض فقهاء السوء الذين خدعوا الناس باجتهاداتٍ استمدوها من رواياتٍ تدعم استنتاجاتهم لصرفهم عن الخطاب الإلهي للناس، وعمل هؤلاء بدعوتهم إلى حصر الأركان في العبادات، وعملوا على إلهاء الناس وصرفهم عن الغايات والأهداف العليا للإسلام واستبدالها بالوسائل.
فالعبادات سهلة التطبيق ولا تحتاج إلى جهد في مجاهدة النفس وتطويعها وكبح جماحها في تدريبها على أخلاق القرآن وفضائله النبيلة التي أمر الله المسلمين بأن يلتزموها في معاملاتهم وسلوكياتهم.
وليس في كل الأحوال تكون النوايا حسنةً والمقاصدُ طيبةً، بل إننا نستشعر أن حملات استهداف الأمة فكريًّا وعقائديًّا كانت الروايات والإسرائيليات تقف خلف هذا الهدف للحيلولة دون قيام الأمة ونهوضها، لينشغل المسلمون في دوامة المناظرات والفلسفات المستوردة من أوروبا والانزلاق في تصديق الروايات التي فرقت المسلمين شيعًا وطوائف وأحزابًا يقاتلون بعضهم بعضًا، في حين نقرأ في القرآن أنَّ النبي جعله الله رحمةً للعالمين بقوله تعالى: “وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ” (الأنبياء: 107).
شهرُ رمضان فرصة للمسلمين أنْ يعودوا إلى القرآن الكريم، قراءةً وتدبرًا وفهمًا لمعانيه وتنفيذ تعاليمه في المعاملات بين الناس والحياة كافة.
هذا الشهر الكريم، كرَّمه الله سبحانه وتعالى بأن أنزل فيه القرآن الكريم ليكون هدىً للناس، حيث قال تعالى: «شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» (البقرة: 185).
تدبر القرآن من الضروري أن يكون مستمرًّا طوال أيام العام، وليس خلال الشهر الكريم فقط، خاصةً أن الآيات القرآنية تتحدث عن ذمِّ هجر القرآن الكريم، قال تعالى: «وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا» (الفرقان: 30).
والقرآن الكريم يتضمن خارطةً كاملةً وشاملةً لجميع أمور الحياة والأزمات التي قد يمرُّ بها الناس، حيث قال تعالى: «وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ» (الأنعام: 38).
من المؤسف أن بعض المسلمين يلجؤون إلى قراءة القرآن الكريم خلال شهر رمضان فقط وهجره في باقي أيام العام، ويقتصر الأمر على القراءة فقط، دون تدبره وفهم معانيه.
الصيام لا يعني الامتناع عن الماء والطعام، ولكنه أعظم من ذلك، وهو توجيه النفس ومجاهدتها لتطبيق شريعة الله ومنهاجه في الكتاب المبين، ليتحقق له النجاح في يوم العيد، ويفرح بانتصاره على النفس، التي دومًا تتَّبع ما يزينه لها الشيطان من ارتكاب المعاصي، ومخالفة أوامر الله لمصلحة الإنسان، ولذلك فإن كانت نتيجة الصيام تحققت بنجاحٍ في شهر رمضان فإنه يستطيع أن يكمل مشوار حياته في طاعة الله وتحقق له النصر على النفس الإمارة بالسوء، وقد استطاع الإنسان أن يدرك فوائد طاعة الله، والاعتصام بقرآنه، ليحيا حياةً طيبة ويحمي نفسه من أهوال يوم القيامة.










