اقرأ لهؤلاءتوب ستوري

الشرفاء يفتح ملف الانقلاب المبكر على القرآن: قراءة سياسية في جذور ضياع الأمة

 

يأتي مقال «الانقلاب المبكر على القرآن وكيف ضاعت الأمة منذ اللحظة الأولى» للمفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي بوصفه نصًا تأسيسيًا في قراءة الأزمة السياسية-الدينية التي لازمت التاريخ الإسلامي، لا من زاوية السرد أو التبرير، بل من زاوية النقد الجذري لمنطق الحكم والشرعية منذ اللحظة التي غاب فيها الرسول ﷺ عن الدنيا. فالكاتب لا ينشغل بالأشخاص بقدر انشغاله بالمنهج، ولا يطعن في النوايا بقدر ما يكشف اختلال القواعد التي أُدير بها الشأن العام حين أُقصي القرآن عن موقعه الطبيعي كمرجعية حاكمة.

من منظور السياسة الشاملة، تكتسب أطروحة المقال أهمية خاصة لأنها تُعيد تعريف لحظة الانكسار الأولى لا بوصفها “فتنة تاريخية”، بل بوصفها تحوّلًا في منطق السلطة: من الاحتكام إلى النص الإلهي الجامع إلى الاحتكام لاجتهادات بشرية تحكمها موازين القوة والعصبية والواقع السياسي. هنا يلفت الشرفاء إلى مسألة بالغة الخطورة، وهي أن هجر القرآن لم يكن هجر تلاوة، بل هجر حكم وتطبيق، أي إخراج النص من دائرة الفعل السياسي والاجتماعي، وتحويله إلى رمز تعبدي منزوع الأثر في إدارة العدالة والحقوق والدماء.

ويُحسب للمقال أنه يضع الصراع السياسي المبكر في إطاره الحقيقي: صراع على السلطة لا يمكن تبريره أخلاقيًا ولا قرآنيًا، مهما أُحيط بأوصاف مطمئنة. فالاغتيالات، والحروب الأهلية، وسفك الدم بين الصحابة والتابعين، ليست –في منطق الدولة العادلة– تفاصيل عابرة، بل مؤشرات على خلل بنيوي في منظومة الحكم. ومن هنا يطرح الكاتب سؤاله الصادم: كيف يُوصَف هذا المسار بأنه “راشد” بينما القرآن يحرّم الدم، ويجعل العدل شرط الحكم، ويجرّم الاقتتال الداخلي؟ هذا السؤال لا يستهدف الماضي بقدر ما يستهدف “قداسة الرواية السياسية” التي أُغلقت بها أبواب النقد، وجُعلت نموذجًا يُعاد إنتاجه كلما تكررت الأزمة.

ومن زاوية علم السياسة، فإن أخطر ما يشير إليه المقال هو لحظة تسييس الدين، حين تحوّلت العلاقة بين الإنسان وربه إلى علاقة بين الإنسان والسلطة. قتال الممتنعين عن الزكاة –كما يطرحه الشرفاء– لم يكن مجرد إجراء إداري، بل تأسيسًا لمبدأ خطير: أن تُنتزع العبادة من مجال الحرية والمسؤولية الفردية، وتُدرج ضمن أدوات الإكراه السياسي. بهذا التحول، لم تعد الدولة ضامنة للأمن والعدل، بل صارت وصيًا على الضمائر، وهو ما أنتج عبر القرون نموذجًا سلطويًا يرى في الطاعة غاية، وفي القهر وسيلة، وفي الدين غطاءً لا ميزانًا.

ويستمر المقال في تفكيك المسار حين ينتقل من الصراعات الداخلية إلى الحروب التوسعية التي رُفعت فيها راية الإسلام بينما غابت القيم القرآنية الحاكمة للسلوك: حرمة الدم، والعدل، والوفاء بالعهد، وعدم العدوان. وهنا يقدّم الشرفاء قراءة سياسية ناضجة تميّز بين “رسالة قيمية” و“مشروع إمبراطوري”. فالأمم لا تُقاس باتساع الجغرافيا، بل بقدرتها على إنتاج نظام أخلاقي يضمن الاستقرار والكرامة. وحين تُدار القوة بلا ميزان قيمي، تتحول الفتوحات إلى استنزاف داخلي، وتتحول الدولة إلى كيان هشّ يقوم على الغلبة لا على العقد.

وفي هذا السياق، لا يبدو واقع التشتت المعاصر –كما يلمح الكاتب– إلا امتدادًا طبيعيًا لذلك الانقلاب المبكر. فالملك العضوض، وتوارث الصراع، وتقديس الأشخاص، وتغييب النص، كلها عناصر أعادت إنتاج نفسها بأشكال مختلفة حتى وصل المسلم المعاصر إلى حالة اغتراب: كثرة في الطقوس، فقر في العدل، حضور للشعارات، غياب للطمأنينة. وهنا تتجلى قوة المقال في نقله السؤال من “لماذا ضعفنا؟” إلى “كيف حكمنا؟ وبأي مرجعية؟”.

والحل الذي يطرحه المقال ليس حنينًا إلى الماضي ولا دعوة شعاراتية، بل مشروع استعادة للمرجعية. إعادة القرآن إلى موقعه الطبيعي حاكمًا ومنهجًا تعني –سياسيًا– إعادة بناء الشرعية على أساس أعلى من الأشخاص والجماعات والمذاهب. تعني وجود معيار ثابت يُقاس به الحكم، وتُحاسَب به السلطة، ويُدار به الاختلاف دون عنف. وهذا هو جوهر الدولة الرشيدة في أي زمان: أن تكون القيم فوق القوة، والقانون فوق الحاكم، والإنسان غاية لا أداة.

إن مقال «الانقلاب المبكر على القرآن وكيف ضاعت الأمة منذ اللحظة الأولى» لا يقدّم خطاب إدانة بقدر ما يقدّم دعوة مراجعة. مراجعة شجاعة للعقل المسلم كي يتحرر من أسر التاريخ المؤدلج، ويعود إلى النص الذي لم يتغير، بينما تغيّر موقعه في الحياة. وهي دعوة تُحسب للأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي؛ لأنه لم يُجامِل الذاكرة، ولم يُهادِن السرديات السائدة، بل وضع الإصبع على الجرح الحقيقي: حين يُهمَّش القرآن في الحكم، تتصدر أقوال البشر، وحين تتصدر أقوال البشر بلا ميزان، تتكرس الفرقة، ويستمر الدوران في دائرة الفشل.

وخلاصة القول: هذا المقال يمثل إسهامًا فكريًا وسياسيًا بالغ الأهمية في معركة الوعي، لأنه يعيد توجيه البوصلة من صراع الأشخاص إلى أزمة المنهج، ومن تقديس التاريخ إلى مساءلته، ومن تبرير الواقع إلى تغييره. وهو بذلك لا يفسر لماذا “ضاعت الأمة” فحسب، بل يفتح أفقًا واقعيًا لاستعادتها: بالعودة الصادقة إلى القرآن بوصفه مرجع العدل، وميزان الحكم، وضمانة ألا يتحول الدين مرة أخرى إلى سيف مسلط على الإنسان بدل أن يكون طريقًا لحريته وكرامته.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى