
شهد جناح دار الإفتاء المصرية بمعرض القاهرة الدولي للكتاب انعقاد ندوة فكرية بعنوان “الدين والعقيدة: مسارات فهم الأسئلة الوجودية الكبرى”، تناولت قضايا الأسئلة الوجودية لدى الأطفال والشباب، وسبل التعامل معها تربويًّا وفكريًّا في ظل التحولات المعرفية والنفسية التي يشهدها العالم المعاصر.
وقد شارك في الندوة كلُّ من: الدكتورة عزة رمضان العابد، مدرس العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر الشريف، والشيخ علاء عبد الحميد الباحث والمؤلف المتخصص في الفكر الإسلامي، وأدار اللقاء طاهر زيد مدير وحدة “حوار” بدار الإفتاء المصرية، وسط حضور لافت من المثقفين والباحثين ورواد المعرض.
الخطر الحقيقي لا يكمن في أسئلة الأطفال
أكدت الدكتورة عزة رمضان العابد في كلمتها أن الخطر الحقيقي لا يكمن في أسئلة الأطفال، بل في غياب التربية الإيمانية الصحيحة منذ المراحل الأولى للطفولة، مشيرة إلى أن الطفل بطبيعته كائن متسائل ومحب للاستكشاف، وأن الأسئلة الوجودية جزء طبيعي من نموه العقلي والنفسي، وأن كثيرًا من الآباء لا ينتبهون لأسئلة أبنائهم إلا عندما تتعلق بالعقيدة والذات الإلهية، بينما يتعاملون مع أسئلة العبادات دون قلق، مؤكدة أن هذا الخوف غير مبرر، لأن السؤال عن الله لا يعني انحرافًا أو إلحادًا. وشددت قائلة: لا وجود لسؤال خطير في ذاته، وإنما توجد طريقة خاطئة في التعامل مع السؤال، موضحة أن الطفل لا يحتاج إلى إجابات فلسفية معقدة، بل إلى إجابات بسيطة ومناسبة لسنه، تراعي حالته النفسية والدافع الحقيقي وراء سؤاله. وأضافت العابد: إن جوهر التربية الإيمانية يتمثل في بناء علاقة صحيحة بين الطفل وربه، تقوم على الحب والرحمة، لا على الخوف والترهيب، مشيرة إلى أن القرآن الكريم قدم الرحمة قبل العقاب، وأن هذا الترتيب القرآني ينبغي أن يكون حاضرًا في خطاب المربين. واستدلت بأن تصوير الله في ذهن الطفل على أنه إله العقاب والترصد يؤدي إلى علاقة مشوهة مع الدين، ويزرع داخل الطفل شعورًا بالقلق والذنب، فالله سبحانه وتعالى قد عرف نفسه في كتابه بأنه الغفور الرحيم قبل أن يذكر شدة العقاب. كما أن تقديم الدين للأطفال باعتباره مجموعة تكاليف وأوامر مجردة من المعنى والحكمة يؤدي لاحقًا إلى ممارسة شكلية للعبادات، دون استشعار الصلة الحقيقية بالله، وهو ما يظهر بوضوح في كثير من الشباب الذين يؤدون العبادات دون وعي بمقاصدها.
وتطرقت الدكتورة عزة رمضان إلى طريقة تقديم الأنبياء والسيرة النبوية للأطفال، مؤكدة أن اختزال السيرة في الغزوات والأحداث التاريخية فقط يمثل تقصيرًا تربويًّا، مشددة على أهمية إبراز الجانب الإنساني والأخلاقي والرحيم في شخصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بوصفه المدخل الحقيقي لمعرفة الله سبحانه وتعالى. وأشارت إلى أن كثيرًا من الأزمات العقدية لدى الشباب تعود إلى خلل مبكر في تصوراتهم عن الله والدين، وهو خلل لا يظهر إلا بعد سنوات، حين يصبح علاجه أكثر صعوبة، وأن الحديث عن العقيدة لا يمكن فصله عن البُعد الإنساني والتربوي، وأن ضعف العلاقات بين الآباء والأبناء في العصر الحديث يعد من أبرز أسباب الإشكالات العقدية لاحقًا. وصرحت بأن انشغال الأُسر وغياب الحوار الحقيقي يؤدي إلى تراكم الأسئلة الوجودية لدى الأطفال دون احتواء، لتظهر لاحقًا بصورة أكثر تعقيدًا في مرحلة المراهقة، وأن توفير الأمان النفسي للطفل هو شرط أساسي لفتح باب السؤال، مشددة على أهمية الحوار المفتوح الذي يحترم عقل الطفل واهتماماته، وعدم السخرية من تساؤلاته أو قمعها؛ وذلك أن عصرنا الحالي لا يسمح بإسكات الأسئلة، لأن الطفل يستطيع الوصول إلى مصادر متعددة للمعلومات بضغطة زر، محذرةً من أن إغلاق باب الحوار داخل الأسرة يفتح أبوابًا أخرى غير آمنة أمام الطفل. وشددت الدكتورة عزة رمضان العابد، في ختام حديثها، على أن التربية الإيمانية ليست جهدًا فرديًّا عابرًا، بل مشروع متكامل يحتاج إلى عمل مؤسسي، وتقسيم واضح للمراحل العمرية، ومراعاة للواقع النفسي والاجتماعي والعلمي الذي يعيش فيه الأطفال اليوم، وأن بناء التصورات الصحيحة عن الله والدين منذ الصغر هو الضمان الحقيقي لتنشئة أجيال متوازنة، قادرة على مواجهة أسئلة العصر دون خوف أو اضطراب.
من جانبه، قال الشيخ علاء عبد الحميد: إن التعامل مع قضايا العقيدة في الواقع المعاصر يتم في الغالب بمنطق العلاج بعد وقوع الأزمة، لا بمنطق الوقاية، موضحًا أن أغلب الجهود الفكرية تُستنزف في إزالة الشبهات بعد تشكلها، دون بناء حقيقي للإيمان في النفوس. وأضاف: إن الوقاية تبدأ بالتأسيس المبكر، لأن معالجة الشك بعد ترسخه قد تزيح المشكلة مؤقتًا، لكنها لا تبني إيمانًا راسخًا ولا معرفة إلهية عميقة، مؤكدًا أن المطلوب هو بناء الإنسان قبل مواجهة الشبهة. وأشار الشيخ علاء إلى أن كثيرًا من الخطاب الديني المعاصر لا يزال أسير جدل إسلامي–إسلامي نشأ في سياقات تاريخية مستقرة، بينما يواجه الجيل الحالي إشكالات مختلفة تمامًا، في مقدمتها المادية، والسيولة الفكرية، والانبهار بالتفوق العلمي الغربي. ونعى على بعض الخطابات الدينية كونها تتسم بالفوقية أو الاستعلاء، وهو ما لم يعد مقبولًا لدى جيل منفتح على ثقافات ومناهج تفكير متعددة، داعيًا إلى خطاب يحترم عقل المتلقي، ويعترف بتعقيد الأسئلة التي يواجهها. ومن هنا شدَّد الشيخ علاء على أن تأسيس العقل يجب أن يسبق تكديس المعلومات الدينية، موضحًا أن الإنسان في بداياته يدرك العالم بالحس، لكن لا بد من تعليمه مبكرًا أن الحس محدود، وأنه بداية المعرفة لا نهايتها، مشيرًا إلى أن كثيرًا من مناهج التعليم ترسخ الجانب الحسي فقط، حتى في العلوم الطبيعية، دون تنبيه المتعلم إلى البُعد العقلي والتجريدي، وهو ما يؤدي لاحقًا إلى تصور قاصر عن الوجود والمعرفة، فمعرفة الله سبحانه وتعالى لا تنال بالحس، وإنما بالعقل والنظر والاستدلال، بالإضافة إلى أن أصول الدين في حقيقتها عقلية، وأن العقل هو أشرف أدوات المعرفة التي تميز الإنسان.
وتطرق الشيخ علاء إلى العلاقة بين العلم الحديث والإيمان، مؤكدًا أن الخطأ الشائع هو تحويل الله إلى مجرد “سد للفجوات المعرفية”، موضحًا أن الإسلام لا يثبت وجود الله بوصفه حلًّا مؤقتًا للأسئلة التي يعجز العلم عن تفسيرها، بل القوانين العلمية في ذاتها دليل على وجود الخالق، وليست نقيضًا له. وعليه شدَّد على ضرورة التفريق بين السبب القريب الذي يدرسه العلم، والسبب الأبعد الذي يشير إلى الخالق سبحانه وتعالى. وأضاف أن وضع الله في موضع الإجابة السهلة لكل سؤال علمي يضعف الخطاب الإيماني؛ لأن تطور العلم قد يملأ بعض هذه الفجوات، بينما المطلوب هو ترسيخ الإيمان بوصفه حقيقة مطلقة، لا بديلًا معرفيًّا مؤقتًا.
وأكد الشيخ علاء أن كثيرًا من الأزمات العقدية لدى الشباب لها جذور نفسية، موضحًا أن صورة الله في وعي الإنسان غالبًا ما تكون انعكاسًا لصورة الأب أو السلطة في طفولته، وأن القسوة، أو التسلط، أو غياب الحوار داخل الأسرة قد يسقط لاحقًا على تصور الإنسان لله، فيراه قاسيًا أو متربصًا، وهو ما يولِّد رفضًا داخليًّا للدين أو تمردًا عليه. ومن ثم دعا إلى دمج علم النفس مع مفاهيم التزكية الإسلامية، معتبرًا أن فهم النفس البشرية وصراعاتها ضرورة أساسية لمعالجة القلق الوجودي، وليس ترفًا فكريًّا. كما شدَّد الشيخ علاء على أهمية تقديم الفقه بوصفه منظومة متكاملة، لا مجرد أوامر ونواهٍ، موضحًا أن كثيرًا من الشباب يصطدمون بالتشريعات قبل أن تتشكل لديهم صورة واضحة عن المشرّع، في حين أن بيان مقاصد الشريعة، وربط الأحكام ببعضها، يساهم في إزالة كثير من الإشكالات، فالمشكلة لا تكمن في التشريع ذاته، بل في طريقة تقديمه منفصلًا عن سياقه الكلي.
وفي ختام الندوة، أوضح طاهر زيد أن دار الإفتاء المصرية تعمل من خلال وحدة الحوار على التعامل مع الأسئلة الوجودية بمنهج يقوم على الحرية والسرية واحترام السائل، وعدم تقديم إجابات جاهزة، بل تعمد إلى اصطحاب السائل في رحلة بحث تناسب عمره وخلفيته، مشيرًا إلى إصدار دار الإفتاء لكتاب “الدليل الإرشادي للإجابة عن أسئلة الأطفال الوجودية”، مع التأكيد على أن تجاهل هذه الأسئلة في الطفولة قد يؤدي لاحقًا إلى تطرف فكري، إما في صورة غلو وعنف، أو في صورة إلحاد واغتراب.
واختتمت الندوة بتفاعل واسع من الحضور، الذين أكدوا أهمية استمرار هذه اللقاءات التي تفتح مساحات آمنة للحوار، وتربط بين الدين والواقع، وتعيد الاعتبار للتربية الإيمانية بوصفها أساس بناء الإنسان المتوازن.










