اقرأ لهؤلاءتوب ستوري

لواء دكتور سمير فرج يكتب.. الردع النووى الأوروبى

 

 

 

 

 

 

 

شهد العام الماضى تقلبات جذرية فى العلاقات الأمريكية الأوروبية، لعلها بدأت منذ اليوم الأول لتولى الرئيس ترامب مقاليد السلطة فى البيت الأبيض، حيث أعلن أن دول حلف شمال الأطلنطى (الناتو) عليها أن تزيد حجم الإنفاق العسكرى ليكون 5% من قيمة الدخل بدلاً من 2%. وعندما سأله أحد الصحفيين: ماذا لو لم توافق دول حلف الناتو على ذلك؟ كانت إجابته واضحة: لن أدافع عن دول حلف الناتو التى لم تزد قيمة اشتراكها.

 

بعد هذا التصريح، كان أول من نادى باعتماد أوروبا على أمنها القومى على نفسها هو الرئيس الفرنسى ماكرون، حين بدأ ينادى بإنشاء جيش أوروبى موحد. كل ذلك أدى إلى بروز مبدأ ضرورة تعزيز استقلال أوروبا الدفاعى والاستراتيجى عن الولايات المتحدة.

 

ومن هنا بدأت فكرة الردع النووى داخل أوروبا، خاصة أن دول حلف الناتو الأوروبية لا تمتلك تسليحاً نووياً سوى دولتين فقط، وهما فرنسا وإنجلترا. اعتباراً من يناير 2026، كشفت تقارير صحفية نقلاً عن مصادر بريطانية أن أوروبا تواجه واقعاً جديداً يتمثل فى التفكير فى البقاء خارج المظلة الأمريكية داخل حلف الناتو، وهو أمر كان الحديث عنه ممنوعاً من قبل.

 

كما دعا رئيس الوزراء البريطانى كير ستارمر دول أوروبا إلى الحد من الاعتماد على الولايات المتحدة فى خططها الدفاعية مستقبلاً، مؤكداً أن النظام الدولى الجديد يفرض على أوروبا أن تكون قادرة على حماية نفسها تجاه القوى الكبرى المعادية مثل الصين وروسيا.

 

ثم ظهرت فكرة تدور حول أن تتحول أوروبا تدريجياً من الاعتماد الكلى على المظلة النووية الأمريكية فى إطار حلف الناتو، إلى امتلاك قوى ردع نووية مشتركة أو مستقلة.

 

وهنا يبرز السؤال: لماذا تبرز فكرة الردع النووى الأوروبى حالياً كفكرة رئيسية؟ الإجابة ببساطة هى الخوف من تراجع التزام أمريكا نحو أمن أوروبا، على أساس أن واشنطن قد تقلص التزاماتها تجاه القارة الأوروبية. ومن هنا أثير سؤال آخر حول ضرورة أن تصبح أوروبا أكثر قدرة على الدفاع عن نفسها، ليس فقط من خلال القدرات القتالية التقليدية، بل أيضاً من خلال القدرات النووية.

 

وفى فبراير 2026، دعا الرئيس الفرنسى ماكرون القادة الأوروبيين إلى إعادة تقييم كيفية دمج الردع النووى الفرنسى ضمن البناء الدفاعى الأوروبى مستقبلاً، معتبراً أن الردع النووى الفرنسى يمكن أن يكون أساس الاستراتيجية الدفاعية الأوروبية الجديدة. ويأتى هنا دور ألمانيا، وهى ليست دولة نووية، إذ كانت تعتمد فى الماضى على المظلة النووية الأمريكية فى حماية أوروبا، خاصة أن أكبر القواعد الأمريكية فى أوروبا توجد فى ألمانيا.

 

فى فبراير 2026، كشف المستشار الألمانى فريدريش ميرتس عن محادثات مع فرنسا حول تطوير الردع النووى الأوروبى، وطرح ضرورة دخول ألمانيا نادى الدول النووية لتكون الدولة العاشرة التى تمتلك سلاحاً نووياً حيث إن الترسانة الحالية لحلف الناتو فى أوروبا تقتصر على القوة النووية الفرنسية والبريطانية، حيث تمتلك باريس 290 رأساً نووياً، بينما تمتلك إنجلترا 225 رأساً نووياً.

 

هناك أيضاً أفكار أخرى تناقشها القوى الأوروبية، مثل دراسة نشر أسلحة نووية تكتيكية، مثل صواريخ قابلة للإطلاق من طائرات أو منصات أرضية، وهو ما يعد شكلاً من أشكال الردع الأكثر مرونة. فى المقابل، يرى اتجاه آخر ضرورة تعزيز القدرات العسكرية الأوروبية التقليدية، مثل قوات الدفاع الجوى، والإنذار المبكر، وأنظمة الصواريخ الدقيقة.

 

كل هذه الآراء أظهرت بوضوح أن مرحلة ما بعد الحرب الباردة دخلت طوراً جديداً، وأن الوجود العسكرى الصينى والروسى بهذا الحجم من التطوير يمثل تهديداً لدول حلف الناتو، ما يتطلب قدرات تقليدية قوية، إلى جانب ردع نووى أوروبى قادر على المواجهة. لذلك، أصبح على دول أوروبا أن تعيد التفكير الاستراتيجى هذا العام، فى ظل حلف ناتو لم يعد يعتمد بالكامل على المظلة الأمريكية، سواء فى الدفاع بالأسلحة التقليدية أو النووية.

 

وفى مؤتمر ميونخ للأمن يومى 13 و14 فبراير 2026، ظهرت نقاشات حاسمة حول استقلالية أوروبا الأمنية مستقبلاً، خاصة بعد ما أعلنه المستشار الألمانى فريدريش ميرتس عن بدء مباحثات مع فرنسا لإنشاء درع نووى أوروبى، فى عملية تدريجية أطلق عليها «الردع النووى الأوروبى»، بهدف ابتعاد أوروبا عن الاعتماد على النظام النووى الأمريكى. وفى 19 فبراير 2026، أكدت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، فى خطابها بميونخ، ضرورة استقلال أوروبا أمنياً، مشيرة إلى أن استثمارات دفاعية كبيرة سيتم ضخها خلال الفترة القادمة.

 

وترى أوساط مراكز الدراسات أن مصطلح الردع النووى يعنى استقلال أوروبا عن الاعتماد على المظلة النووية الأمريكية، والانتقال إلى قدرات مستقلة لمواجهة الصين وروسيا، من خلال إنشاء مظلة نووية أوروبية جديدة. وبالطبع، قد يعنى ذلك دخول ألمانيا نادى السلاح النووى، الأمر الذى سيزيد من الإنفاق الدفاعى مستقبلاً، وقد يؤثر على الاقتصاد الألمانى وعلى الإنفاق الموجه للتنمية والبنية الأساسية، ما يزيد الأعباء على المواطن الألمانى.

 

وفى المجمل، يبدو أن أوروبا مقبلة على مرحلة جديدة فى نظام دولى مختلف، خاصة بعد تولى الرئيس ترامب قيادة الولايات المتحدة الأمريكية، وما تبع ذلك من إعدة تشكيل لمفاهيم الأمن والدفاع داخل القارة الأوروبية.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى