كنت ضمن وفد مؤسسة رسالة السلام لزيارة الكنيسة المعمدانية بمدينة النور في احتفالية عيد القيامة، وكانت تلك الزيارة بالنسبة لي تجربة إنسانية مختلفة، ليس فقط لأنها جمعت بين أبناء وطن واحد في مناسبة دينية، بل لأنها كشفت بوضوح كيف يمكن للفكرة المعتدلة أن تتحول إلى سلوك يومي، وإلى حالة وجدانية يعيشها الناس في لحظة حقيقية، لا في خطاب مكتوب أو شعار مرفوع.
دخلنا الكنيسة بهدوء، وكانت الأجواء مشبعة بروح الفرح والسكينة، وبدت الوجوه متقاربة رغم اختلاف الخلفيات، وكأن الجميع جاء يحمل رسالة واحدة، رسالة تقول إن المحبة قادرة على أن تختصر المسافات بين البشر.
لكن ما لفت انتباهي منذ اللحظة الأولى لم يكن فقط حسن الاستقبال، ولا ترتيب المكان، بل تلك الحالة من الترقب الهادئ التي سادت القاعة، وكأن الحضور ينتظرون كلمة صادقة تلامس القلب قبل العقل.
وما لفت انتباهي حقًا هو حالة الإنصات العميق التي سادت القاعة عندما بدأ مجدي طنطاوي، المدير العام لمؤسسة رسالة السلام، الحديث؛ لم يكن إنصاتًا عاديًا، بل إنصات يحمل احترامًا وتقديرًا، وكأن الحضور يدركون أن ما سيُقال ليس خطابًا عابرًا، بل رسالة تحمل معنى إنسانيًا حقيقيًا.
وفي تلك اللحظة، بدأت ابتسامات الحاضرين تتسلل بهدوء عندما تردد ذكر مقولات المفكر علي محمد الشرفاء الحمادي عن الأخوة والمساواة، وعن أن الإنسان يُقاس بإنسانيته لا بعقيدته، وأن الوطن يتسع للجميع دون تمييز.
كانت تلك الابتسامات في نظري مؤشرًا مهمًا؛ فهي لم تكن مجاملة، بل كانت تعبيرًا صادقًا عن ارتياح داخلي لفكرة تجمع ولا تفرق، وتطمئن ولا تُقلق.
وبدا واضحًا أن اسم الشرفاء لم يُذكر بوصفه شخصية عامة فقط، بل بوصفه صاحب رؤية فكرية لامست وجدان الحاضرين، وجعلتهم يشعرون أن الحديث عن التعايش ليس شعارًا نظريًا، بل تجربة يمكن أن تتحقق في الواقع.
الأكثر دلالة بالنسبة لي أن حالة الإنصات لم تنقطع بعد انتهاء الكلمات، بل استمرت بنفس الهدوء والتركيز عندما تولى الحديث الدكتور معتز صلاح الدين، رئيس مجلس أمناء مؤسسة رسالة السلام، وكأن الحضور كانوا في حالة استعداد نفسي للاستماع إلى رسالة متصلة لا تنتهي عند شخص أو كلمة، بل تستكمل نفسها بفكرة واحدة عنوانها التعايش.
لم يكن الانتقال بين المتحدثين انتقالًا في الأشخاص بقدر ما كان امتدادًا في المعنى، حيث ظل الوجدان الجمعي للحاضرين مشدودًا إلى ذات الفكرة التي تكررت في كلمات الجميع: أن الإنسان هو القيمة الأعلى، وأن الأخوة الإنسانية تسبق أي اختلاف.
وفي تلك اللحظات، لم يكن الحديث عن التعايش مجرد فكرة نظرية تُقال في مناسبة احتفالية، بل كان سلوكًا محسوسًا في تفاصيل المشهد كله؛ في نظرات الاحترام، وفي المصافحة الهادئة، وفي ذلك الشعور العام بأن الجميع يجلسون تحت سقف واحد يجمعهم اسم الوطن قبل أي شيء آخر.
ثم جاءت لحظة أخرى بدت لي ذات دلالة خاصة، عندما ساد الصمت للحظات بعد انتهاء الكلمات، ولم ينصرف الحضور سريعًا كما يحدث في كثير من المناسبات، بل ظلوا في أماكنهم، وكأنهم يريدون أن يحتفظوا بما سمعوه داخل قلوبهم.
وبعدها مباشرة بدأ بعض الحاضرين يسألون عن كتاب الشرفاء الذي يتناول نقاط التلاقي بين الإسلام والمسيحية، وطلبوا الحصول على نسخ منه، في مشهد بدا لي وكأنه ترجمة عملية للاهتمام الحقيقي بالفكر المعتدل، لا مجرد استحسان عابر.
في تلك اللحظة أدركت أن الفكرة وصلت بالفعل، وأن الرسالة لم تتوقف عند حدود الكلمات، بل تحولت إلى رغبة صادقة في المعرفة، وإلى اهتمام حقيقي بفكر يسعى إلى جمع الناس لا إلى تفريقهم.
وكان واضحًا أن اسم الشرفاء الحمادي تردد بين المتحدثين والحضور بروح من الاحترام والتقدير، وكأن الجميع ينظر إلى فكره باعتباره مرجعية إنسانية تضع الإنسان في مقدمة الاهتمامات، وتؤكد أن التعايش ليس خيارًا مؤقتًا، بل ضرورة دائمة لبقاء المجتمعات واستقرارها.
لكن المشهد الأكثر تأثيرًا بالنسبة لي لم يكن فقط في الكلمات التي قيلت، ولا في حالة الإنصات التي سادت القاعة، بل في التفاصيل الصغيرة التي حدثت بين أعضاء الوفد أنفسهم، وهي تفاصيل ربما لا يلاحظها كثيرون، لكنها في نظري كانت أصدق تعبير عن معنى المحبة الذي نتحدث عنه.
ففي نهاية اللقاء، كانت رسالة الشرفاء واضحة في المحبة التي ظهرت بين أعضاء وفد رسالة السلام أنفسهم، في تصرفات بسيطة لكنها عميقة الدلالة.
تعازم أعضاء الوفد على بعضهم البعض في الجلوس، وكان كل واحد يحرص أن يترك المكان لغيره، وكأنهم يتسابقون على إكرام بعضهم لا على التقدم على بعضهم.
كان الأستاذ مجدي طنطاوي حريصًا على أن يجلس جميع زملاء الوفد قبله، وكأنه أراد أن تنعكس صورة الاحترام والتقدير على الحضور قبل أن يجلس هو.
وكان الدكتور معتز صلاح الدين يجلس في مساحة صغيرة، متنازلًا عن راحته، حتى يفسح المجال للجلوس بجوار الأستاذ خالد العوامي الذي ظل واقفًا لفترة طويلة يصور الحضور ويوثق اللحظات.
أما الأستاذ عاطف زايد، فقد ظل طوال الوقت يردد لي بابتسامة صادقة: “خد راحتك في القعدة يا دكتور أبو الفضل” رغم أنني كنت في الحقيقة أشغل مكانه في الجلوس.
في تلك اللحظات، لم تكن الكلمات هي التي تتحدث، بل كانت الأفعال الصغيرة هي التي تشرح المعنى الحقيقي للمحبة، وتؤكد أن التواضع ليس شعارًا، بل سلوك يُمارس دون ضجيج.
وهنا أدركت أن ما تعلمناه من الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي لم يكن مجرد أفكار نظرية عن التعايش، بل كان منهجًا في التعامل مع الناس، يقوم على أن تُرحّل نفسك قليلًا لتُسعد غيرك، وأن تحب أخاك بصدق، وأن تضع راحته قبل راحتك.
لقد خرجت من الكنيسة وأنا أحمل في ذهني صورة لن أنساها: أشخاص يختلفون في الدين، لكنهم يتشابهون في المحبة، وأشخاص يجلسون في أماكن متواضعة، لكنهم يحملون قلوبًا واسعة، وفكرة بسيطة تقول إن الإنسان يمكن أن يكون أفضل عندما يحب غيره.
وهكذا، لم تكن زيارة الكنيسة مجرد مشاركة في احتفال، بل كانت درسًا عمليًا في معنى التعايش، ودليلًا على أن رسالة الشرفاء ليست كلمات تُقال، بل سلوك يُرى، ومحبة تُعاش، وأثر يبقى في القلوب.
ولم يكن من الممكن أن يمر هذا اللقاء بهذه السلاسة والدفء الإنساني لولا الدور الواضح الذي قام به القس الدكتور جرجس عوض، الذي كان المنظم الحقيقي لهذا اللقاء، وصاحب اللمسة الهادئة التي جعلت كل شيء يسير بروح من المحبة والاحترام.
ما لفت انتباهي في حضوره لم يكن فقط حسن التنظيم، بل ذلك الحرص الصادق على أن تصل رسائل المفكر علي محمد الشرفاء الحمادي إلى الحاضرين بروحها الإنسانية، لا في شكل كلمات رسمية، بل في صورة سلوك عملي يعكس معنى الأخوة وقبول الآخر.
كان واضحًا أن القس جرجس يتعامل مع اللقاء باعتباره رسالة قبل أن يكون مناسبة، وكان حريصًا في كل تفاصيله على أن يبعث برسالة الشرفاء عن المحبة والتعايش، وأن يؤكد للحاضرين أن الاختلاف في العقيدة لا يمنع الاتفاق على القيم الإنسانية المشتركة.
وقد بدا ذلك في طريقة استقباله للوفد، وفي اهتمامه بأن يشعر الجميع بأنهم في بيت واحد، لا في مكان غريب، وكأن الكنيسة في تلك اللحظة لم تكن فقط مكانًا للاحتفال، بل مساحة مفتوحة للحوار والتقارب.
وشعرتُ أن حرصه على نقل فكر الشرفاء لم يكن التزامًا تنظيميًا، بل قناعة شخصية، وأنه أراد من هذا اللقاء أن يكون نموذجًا حيًا لما يمكن أن تصنعه الكلمة الطيبة حين تقترن بالفعل، ولما يمكن أن يحققه الإنسان حين يؤمن بأن المحبة هي الطريق الأقصر إلى السلام.
وهكذا، بدا دور القس جرجس عوض في نظري جزءًا أصيلًا من المشهد كله، لأنه لم يكتف بتنظيم اللقاء، بل ساهم في ترسيخ معناه، وجعل من رسائل الشرفاء عن الأخوة والمحبة واقعًا ملموسًا يشعر به كل من حضر تلك اللحظة.











