ليس من السهل في زمن المصطلحات الرائجة والتي لرواجها هذا تعامل وكأنها حقيقة مطلقة أن يقف مفكر ليعيد النقاش إلى نقطة البداية، إلى النص الأول، إلى المرجعية التي يُفترض أن تكون حاكمة لكل خطاب ديني. غير أن هذا بالضبط ما يفعله المفكر العربي الكبير الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي في مقاله الذي حمل عنوانا لافتا أو بالأحرى قل صادما: “مفهوم حوار الأديان يتنافى مع القرآن”.
فالطرح الذي يقدمه الأستاذ الشرفاء الحمادي لا يقف عند حدود الاعتراض على مصطلح شائع في الأدبيات الفكرية المعاصرة، بل يتجاوز ذلك ليعيد صياغة السؤال من جذوره: كيف يمكن الحديث عن “حوار بين الأديان” بينما القرآن نفسه قدّم في وضوح شديد تصورا مختلفا يقوم على وحدة الرسالة الإلهية عبر التاريخ؟
إن أستاذنا الفاضل الشرفاء الحمادي ينطلق من حقيقة قرآنية واضحة، وهي أن الإسلام لم ينظر إلى الرسالات السماوية بوصفها جزرا منفصلة أو ديانات متنافرة، بل باعتبارها حلقات متصلة في سلسلة الهداية الإلهية للبشر. ولذلك احتضن القرآن ذكر الرسل والأنبياء جميعا، وكرّمهم، وذكّر بما حملوه من آيات الله إلى الناس، وما واجهوه من عنت واضطهاد من أقوامهم.
ومن هنا يطرح المفكر العربي الشجاع سؤاله الذي يبدو بسيطا لكنه شديد العمق: كيف ظهر مصطلح “حوار الأديان” وكأن الأديان كيانات متفرقة تحتاج إلى مفاوضات بينها، بينما الخطاب القرآني يؤكد أن مصدرها واحد، وأن الإيمان بها جميعا شرط أساس في العقيدة الإسلامية نفسها؟
ولعل النقطة الأكثر وضوحا بل التي تصل إلى حد الدليل القاطع في مقاله هي استشهاده بالآية الكريمة من سورة البقرة:
“آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله…” (البقرة: 285).
هذه الآية، كما يلفت الأستاذ علي الشرفاء الحمادي الانتباه، ليست مجرد نص تعبدي يتلى في نهاية السورة، بل هي قاعدة عقدية صريحة تشترط على المسلم الإيمان بجميع الرسل والكتب السماوية دون تفرقة.
ومن هنا يطلق مفكرنا الكبير سؤاله الصادم في بساطته: هل قرأ الذين يرفعون شعار الإسلام هذه الآية حقا؟
إنه سؤال لا يحمل نبرة اتهام بقدر ما يحمل دعوة للمراجعة. فلو أدرك المسلمون حقيقة هذا الشرط القرآني – كما يرى الأستاذ الشرفاء – لما وجدنا تلك المسافات التي اتسعت بين المسلمين والمسيحيين عبر التاريخ، ولما تحولت العلاقة بين أتباع الرسالات السماوية إلى ساحات صراع وكراهية.
ولا يقف الأستاذ الشرفاء في مقاله عند مخاطبة عامة المسلمين، بل يوجه سؤالا أكثر تحديدا إلى الأزهر الشريف، بوصفه إحدى أهم المرجعيات الدينية في العالم الإسلامي. إنه يطالبه بالتفكر في تلك الآية التي تجعل الإيمان بجميع الأنبياء والكتب التي أنزلها الله عليهم جزءا من جوهر الإيمان ذاته.
واللافت أن السؤال الذي يطرحه المفكر هنا ليس سؤالا تقليديا، بل سؤال تاريخي وأخلاقي في آن واحد: من الذي زرع الكراهية والشقاق بين الإسلام والمسيحية؟
هذا السؤال يفتح بابا واسعا للتفكير؛ لأنه يعيد النظر في سرديات طويلة صنعتها صراعات السياسة والتاريخ أكثر مما صاغتها النصوص الدينية نفسها. فحين نعود إلى الخطاب الإلهي في القرآن الكريم – كما يدعو دائما الأستاذ الشرفاء الحمادي – نجد خطابا مختلفا تماما، خطابا يعترف بجميع الأنبياء، ويجعل الإيمان بهم شرطا لصحة الإسلام، ويضع البشر جميعا أمام أصل واحد للرسالة الإلهية.
إن قراءة هذا المقال تكشف أن مشروع الأستاذ علي الشرفاء الحمادي الفكري لا يقوم على مجاملة فكرية أو خطاب دبلوماسي حول التعايش، بل على عودة جذرية إلى النص القرآني بوصفه المصدر الأول للفهم. فالقضية عند الرجل ليست في عقد مؤتمرات للحوار بين الأديان، بل في إدراك الحقيقة القرآنية التي ترى الرسالات السماوية امتدادا واحدا لخطاب الله إلى الإنسان.
ولهذا فإن أهمية هذا المقال لا تكمن في عنوانه المثير فحسب، بل في الأسئلة التي يتركها مفتوحة أمام القارئ. فحين يتساءل الشرفاء: هل قرأنا القرآن حقا؟ وهل فهمنا شرط الإيمان بجميع الرسل؟ فإنه في الحقيقة يضع المسلمين أمام نصهم المقدس الذي يؤمنون به، ويطالبهم بأن يعيدوا قراءة علاقتهم بالآخر على ضوء ذلك النص، لا على ضوء تراكمات التاريخ وصراعاته.
وهكذا يتحول المقال من مجرد نقد لمصطلح فكري إلى دعوة عميقة لإحياء الخطاب الإلهي في القرآن الكريم في فهم العلاقة بين أتباع الرسالات السماوية. دعوة تقول ببساطة إن المشكلة لم تكن يوما في القرآن… بل في الطريقة التي تمت بها قراءته











