اقرأ لهؤلاءتوب ستوري

يحيى موسى.. من إنقاذ الأرواح إلى هندسة الاغتيالات

 

تتكشف بنية جماعة الإخوان الإرهابية عبر مراجعة دقيقة للمسارات التى تسلكها فى تدمير الكتلة البشرية الحية للأوطان، حيث تستهدف أصحاب التخصصات العلمية الرفيعة كالطب والهندسة كآلية خبيثة لتعطيل قوى المجتمع الحية، ليتحول الطبيب المفترض فيه أن يكون رسولًا لإحياء النفوس ومداواة الآلام وتخفيف المعاناة، إلى آلة صماء تتلقى الأوامر وتصيغ تكتيكات الموت والاغتيال. ولم يكن الطبيب الأزهرى الهارب يحيى السيد إبراهيم موسى، المتحدث السابق a وزارة الصحة فى عهد الحكم الإخوانى المعزول، سوى عينة معملية شارحة للنموذج الاستقطابى الظلامى الذى يصقل العقول بالعدمية ويجردها من قيم البناء والعمران لتصبح أدوات وظيفية تخدم مخططات دولية عابرة للحدود تهدف إلى منع أى نهضة وطنية مصرية. كشفت التحقيقات والوثائق القضائية الرسمية فى قضية اغتيال النائب العام الشهيد هشام بركات كيف تحولت سماعة الطبيب لدى يحيى موسى إلى أداة لجس نبض الدولة والبحث عن الثغرات لضربها فى مقتل، ومن وراء البحار، نجح هذا الكادر الإرهابى عبر تكنولوجيا الفضاء الافتراضى والاتصال المُشفَّر فى قيادة حركتى «حسم» و«لواء الثورة»، وتوجيه مجموعات الشباب من طلاب الجامعات ليتلقوا التدريبات العسكرية وتجهيز السيارات المفخخة لتنفيذ الاغتيالات الكبرى، فى سياق تنفيذ الأدوار الوظيفية التى رسمتها له أجهزة استخباراتية غربية وإقليمية اتخذت من الجماعة ذراعًا لإجهاض مشروع يونيو السيادى.

 

يُمثل المسار الدموى للطبيب الهارب نقطة الارتكاز الأشد خطورة فى دراسة التحولات البنيوية للعنف الإخوانى المسلح عقب سقوط دولة المرشد فى ثورة الثلاثين من يونيو، فهو الوريث الشرعى والامتداد العقائدى الأكثر دموية لأستاذه طبيب الأنف والأذن محمد كمال، مؤسس اللجان النوعية والعمل المسلح داخل الجماعة.

 

شكلت علاقة التلمذة الفكرية والتنظيمية قفزة نوعية نحو «مأسسة التوحش» وتجاوز الأطر التقليدية للتنظيم الخاص القديم، ومن عيادته الطبية إلى مقاعد التخطيط العسكرى والاستراتيجى، استطاع موسى أن يكتسب لقب «مهندس الاغتيالات الأول» فى العقد الأخير، حيث وثّقت أوراق عشرات القضايا الإرهابية وتحقيقات نيابة أمن الدولة العليا واعترافات المتهمين التفصيلية وقوفه المباشر وراء إدارة غرف العمليات المسلحة وتمويلها وإصدار تكليفات القتل لضرب مفاصل الدولة المصرية.

 

نسج موسى تحالفات استخباراتية عابرة للحدود، ووظف شبكة علاقاته الخارجية المعقدة مع أجهزة مخابرات إقليمية ودولية وفرت له الملاذ الآمن وحرية الحركة اللوجستية والمالية، لينجح فى تدوير منصات التمويل واستحداث قنوات دفع متجددة، متجاوزًا أنظمة الرقابة المصرفية لضخ ملايين الدولارات إلى الخلايا بالداخل المصرى. امتد هذا التمويل الضخم من إحياء الجناح العسكرى للإخوان المتمثل فى حركة «حسم» (حركة سواعد مصر) و»لواء الثورة»، إلى هندسة تحالفات ميدانية هجينة مع تنظيمات تكفيرية، إذ أثبتت التحقيقات الرسمية وجود تنسيق لوجستى وعملياتى بين الخلايا التى يديرها موسى وبين فرع تنظيم «داعش» فى سيناء، وتنظيم «المرابطون» التابع للإرهابى الراحل هشام عشماوى، ومجموعة «أجناد مصر»، لتندمج أدبيات الإخوان مع تكتيكات القاعدة وداعش فى جبهة موحدة لمواجهة الدولة الوطنية.

 

تشهد سجلات القضاء المصرى على قائمة طويلة من العمليات الإرهابية النوعية التى حملت بصمات يحيى موسى التخطيطية والتمويلية، وتأتى على رأسها جريمة اغتيال النائب العام الأسبق الشهيد هشام بركات فى يونيو 2015؛ حيث أثبتت اعترافات منفذى الجريمة بالصوت والصورة تلقيهم تكليفات مباشرة من موسى عبر برامج التواصل المُشفَّرة، وتوفيره للدعم المالى لشراء المواد المتفجرة وتجهيز السيارة المفخخة. شملت جرائم موسى محاولة الاغتيال الفاشلة التى استهدفت الدكتور على جمعة، ومحاولة اغتيال المستشار زكريا عبد العزيز النائب العام المساعد، فضلاً عن تفجير الكنيسة البطرسية بالعباسية وتفجيرات كنيستى طنطا والإسكندرية، التى أظهرت التنسيق المشترك مع الخلايا الانتحارية الداعشية، مما يؤكد أن يحيى موسى هو عقل استراتيجى لشبكة إرهاب دولية وظفت كافة أدوات الموت والتدمير لإحداث الفوضى، وهى المخططات التى تحطمت تباعًا فوق صخرة اليقظة الاستخباراتية والأمنية للدولة المصرية وصمود مؤسساتها السيادية.

 

تبدو المحاولات اليائسة التى قادها الطبيب الهارب خلال السنوات الماضية لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء حلقة جديدة من حلقات العجز التنظيمى، خاصة بعد أن نجحت الدولة المصرية فى تقويض أركان التنظيمات المسلحة وتجفيف منابعها الفكرية والمادية واللوجستية، سواء فى سيناء أو فى قلب المدن. سعى موسى أمام هذا الانسداد الميدانى الكامل، إلى إحياء خلايا نائمة وتدبير قنوات تمويل مستحدثة بدعم مباشر من قوى خارجية وأجهزة استخباراتية إقليمية لم تتوقف أطماعها عن محاولة إنهاك الدولة المصرية، واستهداف جبهتها الداخلية، ومساومتها استراتيجيًا على ملفات وقضايا قومية حساسة..

 

أُجهضت هذه «النسخة المحدثة» من مخطط الفوضى فى مهدها بضربات استباقية حاسمة من الأجهزة الأمنية والاستخباراتية المصرية، التى أثبتت امتلاكها المبادرة والقدرة على قراءة أدوات صراع المستقبل الشائك. وكما وثقت الأجزاء السابقة من ملحمة «الاختيار» كسر الموجات الإرهابية المتعاقبة عقب عام 2013م، جاء المسلسل الدرامى والتوثيقى الأحدث «رأس الأفعي» ليكشف الستار عن خبايا تصفية النسخة الجديدة التى حاول يحيى موسى إطلاقها. وإذا كان القيادى محمود عزت يُمثل «رأس الأفعي» الحركى فى الداخل المصرى إلى حين القبض عليه فى مخبئه، فإن يحيى موسى بات يُمثل «رأس الأفعي» المقيم فى الخارج؛ حيث حمل السياق التوثيقى للمسلسل رسالة إستراتيجية بالغة المشهدية والوضوح، مفادها أن يد الدولة المصرية القوية والسيادية التى قطعت رأس الأفعى فى الداخل، قادرة بموجب القانون والردع واليقظة على أن تطول رءوس الأفاعى الهاربة فى الخارج.

 

يكشف وضع يحيى موسى تحت مجهر التشريح التاريخى أنه امتداد بنيوى لسلسلة ممتدة من مهندسى الدم والتفجير والهدم الذين توارثوا الفاشية الأيديولوجية فى تاريخ الجماعة الإرهابية، يبدأ هذا الخيط المظلم من التنظيم الخاص وحسن البنا وسيد قطب وعبد الرحمن السندى والسيد فايز، ويمر عبر الأبناء غير الشرعيين للفكر القطبّى من أمثال صالح سرية وخالد الإسلامبولى وأيمن الظواهرى، وصولًا إلى هشام عشماوى ويحيى موسى، هذا المسار الممتد من الخيانة وإراقة الدماء يحمل تفسيرًا فكريًا عميقًا طرحه الرئيس عبد الفتاح السيسى فى قراءته لظاهرة التطرف؛ حيث ينحاز هؤلاء إلى الخيانة والدمار مدفوعين بضعف بنيوى فى أنفسهم، وجهل مركب، وضلال فاضح فى المنهج الفكرى والدينى.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى