اقرأ لهؤلاءتوب ستوري

مجدى طنطاوى يكتب تجاوز فخ ثيوسيديدس رسالة الصين إلى أمريكا والعالم

 

حين تحدث الرئيس الصينى شى جين بينغ أمام الرئيس الأمريكى دونالد ترامب قائلا إن العالم يجب أن يتجاوز فخ ثيوسيديدس لم يكن يطلق عبارة فلسفية عابرة أو مجاملة دبلوماسية عابرة بل كان يوجه رسالة سياسية شديدة العمق إلى أمريكا وإلى العالم كله.

الصين تدرك أن التاريخ يحمل لعنة خطيرة تتكرر كلما صعدت قوة جديدة فى مواجهة قوة قديمة مهيمنة وهى اللعنة التى تحدث عنها المؤرخ الإغريقى ثيوسيديدس عندما شرح أسباب الحرب المدمرة بين إسبرطة وأثينا
فقد رأى أن خوف القوة القديمة من صعود القوة الجديدة يجعل الصدام بينهما شبه حتمى حتى لو لم يكن أحد الطرفين يريد الحرب فعليا

واليوم يبدو العالم وكأنه يعيش النسخة الحديثة من هذا الفخ التاريخى
فالولايات المتحدة ظلت منذ انهيار الاتحاد السوفيتى القوة الأعظم التى تتحكم فى الاقتصاد والسياسة والتحالفات الدولية لكن الصين صعدت بسرعة مذهلة حتى أصبحت المنافس الأخطر للنفوذ الأمريكى فى العالم

لم يعد الأمر مجرد تفوق اقتصادى صينى أو مصانع عملاقة تنتج للعالم بل تحول إلى سباق على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعى والطاقة والنفوذ العسكرى والسيطرة على طرق التجارة العالمية وإعادة تشكيل النظام الدولى نفسه

الصين لا تخفى طموحها لكنها تحاول أن تقدم نفسها باعتبارها قوة تريد الشراكة لا الهيمنة وقوة تسعى إلى التوازن لا التدمير لأنها تدرك أن أى مواجهة عسكرية مباشرة مع أمريكا لن تكون حربا عادية بل قد تتحول إلى كارثة تحرق العالم كله

أما أمريكا فتنظر إلى هذا الصعود بقلق متزايد لأنها ترى أن بكين لم تعد مجرد منافس اقتصادى بل مشروع قوة عالمية كاملة يمتد نفوذها من آسيا إلى إفريقيا إلى الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية

ولهذا جاءت كلمات شى جين بينغ وكأنها دعوة للعقل قبل الانفجار ورسالة تحذير تقول إن البشرية لم تعد تحتمل حربا عالمية جديدة خصوصا فى عصر السلاح النووى والانهيار الاقتصادى والتشابك الخطير بين اقتصاديات العالم

لكن الحقيقة الأكثر تعقيدا أن الصراع بدأ بالفعل حتى لو لم يتحول إلى مواجهة عسكرية مباشرة
فهناك حرب اقتصادية شرسة وحرب تكنولوجية وصراع استخباراتى ومواجهات سيبرانية ومعارك على النفوذ والموانئ والممرات البحرية والتحالفات الدولية

إنه صراع على قيادة القرن الحادى والعشرين
صراع بين قوة قديمة تخشى فقدان الهيمنة وقوة جديدة ترى أن وقتها قد حان

الصين تقول لأمريكا لا تحاولوا منع الشمس من الشروق
وأمريكا تقول للصين لن نسلم قيادة العالم بسهولة

وبين الرسالتين تقف شعوب الأرض خائفة من أن يتحول الصراع البارد إلى جحيم ساخن يعيد العالم إلى زمن الخراب الكبير

لقد تعلمت البشرية من الحربين العالميتين أن الغرور السياسى قد يدمر الحضارة وأن صراع القوى الكبرى يدفع الشعوب الفقيرة دائما ثمن الدم والدمار والجوع لكن المأساة أن الدول العظمى غالبا لا تتعلم إلا بعد وقوع الكارثة

ولهذا فإن عبارة تجاوز فخ ثيوسيديدس ليست مجرد مصطلح سياسى بل صرخة تحذير من مستقبل قد يصبح أكثر اضطرابا وخطورة من كل ما عرفه العالم منذ قرن كامل

إن العالم يقف الآن على حافة لحظة تاريخية فاصلة
فإما أن تنجح واشنطن وبكين فى بناء توازن جديد يحمى البشرية ويحفظ المصالح المشتركة
وإما أن يتحول الخوف المتبادل إلى نار تلتهم العالم كله دون أن ينجو منها أحد

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى