حين تتحول الفكرة من مجرد تصور ذهني إلى واقع حي نابض بالحياة يلامس الناس ويغير وعيهم فإنها لا تبقى فكرة بل تصبح نعمة تتجلى آثارها في السلوك والوجدان والعلاقات بين البشر وهكذا تبدو تجربة الشرفاء الحمادي ومؤسسة رسالة السلام اليوم في حركتها الممتدة عبر إندونيسيا وماليزيا وفرنسا والأردن حيث لم تعد مجرد طرح فكري أو خطاب نظري بل صارت مسارا عمليا يعيد تقديم الإسلام في صورته التي تعكس مقاصده العليا
لقد كشفت هذه التجربة بوضوح أن الشعوب متعطشة لخطاب صادق يعيد لها الثقة في دينها بعيدا عن الصراعات والانقسامات خطاب يرتكز على القرآن الكريم باعتباره المرجعية التي تهدي إلى العدل والرحمة والسلام كما قال تعالى
وما ارسلناك الا رحمة للعالمين
وكما قال سبحانه
ان الله يأمر بالعدل والاحسان وايتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي
وما كان لافتا في هذه المسيرة أن التفاعل لم يكن شكليا ولا بروتوكوليا بل كان نابعا من قناعة داخلية لدى من التقوا بهذا الطرح حيث وجدوا فيه ما يجيب عن اسئلة الواقع ويعيد للدين معناه الإنساني الذي يجمع ولا يفرق ويقرب ولا يبعد ويهدي ولا يقصي وهو ما يتسق مع قول الله تعالى
ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي احسن
إن هذا المنهج لا يبني جدرانا فاصلة بين الناس بل يفتح نوافذ للتعارف ولا يفرض وصاية على العقول بل يدعو إلى وعي حر مسؤول ولا يعيد إنتاج الخلاف بل يسعى إلى بيان ما اختلف فيه الناس برده إلى كتاب الله كما قال تعالى
وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه الى الله
وقال سبحانه
كان الناس امة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وانزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه
ومن هنا تحولت الفكرة إلى نعمة حقيقية لأنها أعادت توجيه البوصلة نحو القيم بدلا من الأشخاص ونحو الجوهر بدلا من المظاهر ونحو الوحدة بدلا من الفرقة مصداقا لقوله تعالى
واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا
وقوله سبحانه
ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم
لقد أصبح الإنسان في ظل هذا الطرح أقرب إلى فهم رسالته في الحياة وأقدر على التفاعل مع الآخرين بروح السلام لا بروح الصراع وأقرب إلى إدراك أن الكرامة الإنسانية أصل أصيل في هذا الدين كما قال تعالى
ولقد كرمنا بني ادم
وقال سبحانه
لا اكراه في الدين
وإذا تأملنا ما يجري في هذه الدول فإننا لا نرى مجرد زيارات أو فعاليات عابرة بل نرى بداية تحول حقيقي من حالة الجمود إلى الحركة ومن التنازع إلى التكامل ومن الانغلاق إلى الانفتاح وهو ما يتوافق مع سنن التغيير التي قررها القرآن
ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم
إن هذه التجربة في جوهرها استجابة عملية لنداء قرآني عظيم يدعو إلى التعارف والتعاون بين البشر كما قال تعالى
يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم
إنها ليست مجرد رحلة بين دول بل بداية طريق يعيد الإنسان إلى ذاته ويقربه من فطرته ويجعله يعيش المعنى الحقيقي للحياة حيث الرحمة أساس والعدل ميزان والسلام غاية وهي القيم التي إن سادت عادت للإنسان إنسانيته وللحياة توازنها وللدين صفاؤه
وهكذا لم تعد الفكرة مجرد طرح بل أصبحت نعمة حاضرة في الواقع تنبض بالأمل وتمتد آثارها في كل مكان تصل إليه هذه الرسالة الصادقة











