شارك الدكتور محمد رجب أبو تليح، الأزهري عضو إدارة الفتوى والبحوث بوزارة الأوقاف المصرية، في ندوة مؤسسة رسالة السلام التى أقيمت بعنوان: «شهر رمضان الذي أُنزل فيه القرآن».
وخلال كلمته أمام الحاضرين، أكد د. محمد رجب أبو تليح أن القرآن الكريم ليس مجرد نص ديني يُتلى في المحاريب، بل هو منهج حياة شامل، ونظام كوني متكامل، نزل به الروح الأمين على قلب سيد المرسلين ﷺ ليكون هدىً للناس وبيناتٍ من الهدى والفرقان.
وأضاف أن القرآن تميز بخاصية فريدة لا تتوفر في أي كتاب بشري، وهي “الخلود”؛ فبينما تندثر الحضارات وتتغير النظريات العلمية، يبقى القرآن شامخًا ببيانه، ثابتًا بألفاظه، متجددًا في معانيه. وقد أكد الله تعالى هذه الخاصية بقوله:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9].
وتابع د. محمد رجب أبو تليح الأزهري قائلاً:
إن العلاقة بين القرآن والعلم الحديث ليست علاقة صراع، بل علاقة “تناغم” و“شهادة”؛ فالقرآن كلام خالق الكون، والعلم استقراء لسنن هذا الكون، ولا يُتصوَّر تعارض بين الخالق ومخلوقه.
وتطرق إلى الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، مؤكدًا أنه إشارات كونية لا معادلات علمية، وأن الإعجاز العلمي أحد الأوجه المشرقة التي تؤكد صدق النبوة، وليس الغرض منه تحويل القرآن إلى كتاب فيزياء أو طب، بل تثبيت اليقين في قلوب المؤمنين بأن هذا الكلام لا يمكن أن يكون من عند غير الله. فقد سبق القرآن العلم الحديث في إشارات دقيقة لم تكن معروفة في بيئة صحراوية قبل أربعة عشر قرنًا، وذلك على النحو التالي:
1. في علم الأجنة:
وصف القرآن مراحل خلق الإنسان بدقة متناهية تتوافق مع الاكتشافات المجهرية الحديثة، قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: 12-14].
فمصطلح “علقة” يشير إلى التعلق بجدار الرحم وشكل الجنين، و“مضغة” تشير إلى المرحلة التي يشبه فيها الجنين قطعة اللحم الممضوغة مع بدء تشكل الفقرات.
2. في علم الكونيات:
أشار القرآن إلى توسع الكون قبل اكتشافه بقرون طويلة، قال سبحانه:
﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: 47].
كما أشار إلى الانفصال بين السماء والأرض في قوله تعالى:
﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء: 30]، وهو ما يتوافق مع نظرية الانفجار العظيم (Big Bang).
3. في الجغرافيا والهيدرولوجيا:
أشار القرآن إلى الحاجز بين البحرين المختلفين في الملوحة والكثافة، قال تعالى:
﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾ [الرحمن: 19-20].
وهذه الحقائق ليست غايات في ذاتها، بل “آيات” تدعو إلى التفكر، كما قال تعالى:
﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: 53].
ثانياً: أهمية القرآن في حياتنا… منهج للسلام الداخلي والاجتماعي
أكد د. محمد رجب أبو تليح أن أهمية القرآن تتجاوز كونه مصدر ثواب أخروي، فهو يمثل “دستور السعادة” في الدنيا. ففي ظل الاضطرابات النفسية والضغوط الحياتية التي يعانيها الإنسان المعاصر، يقدم القرآن حلاً جذريًا يتمثل في الطمأنينة، قال تعالى:
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28].
1. البناء الأخلاقي والقيمي:
القرآن هو المرجعية العليا للأخلاق، وقد بُعث النبي ﷺ ليتمم مكارم الأخلاق، وكان خُلُقه القرآن. فهو ينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، ويأمر بالعدل والإحسان. ومجتمع يقرأ القرآن ويتدبره هو مجتمع تسود فيه الأمانة، وتُحفظ فيه الحقوق، وتُصان فيه الروابط الأسرية.
2. التشريع والحكمة:
يحتوي القرآن على أسس تشريعية تنظم العلاقات بين الناس (المعاملات)، وبين الإنسان وربه (العبادات)، وبذلك يحقق التوازن بين الروح والمادة، وبين الفرد والجماعة، قال تعالى:
﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: 89].
3. الشفاء الروحي والنفسي:
أثبتت دراسات عديدة تأثير تلاوة القرآن وتدبره على استقرار الموجات الدماغية وتقليل التوتر، وهو شفاء لما في الصدور، كما قال تعالى:
﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: 82].
ثالثاً: خطورة هجر القرآن… مرض العصر وعاقبة الإعراض
رغم هذه الأهمية البالغة، يشهد الواقع ظاهرة مؤلمة هي “هجر القرآن”. وقد اشتكى النبي ﷺ من ذلك إلى ربه، قال تعالى:
﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: 30].
أنواع الهجر:
ذكر العلماء أنواعًا من هجر القرآن، منها:
هجر السماع والإيمان: بعدم الاستماع إليه أو تصديق آياته.
هجر العمل: قراءته دون تطبيق أحكامه، وهو من أخطر الأنواع؛ فالقرآن حجة لك أو عليك.
هجر التحكيم: الاستغناء عن شريعته في الحياة.
هجر التدبر: قراءته بسرعة دون فهم لمعانيه وتطرق د. محمد رجب ابو تليح الأزهرى إلى عواقب هجر القرآن حيث وصفها أنها
عواقب وخيمة مشيرا إلى أن
هجر القرآن يؤدي إلى فراغ روحي يملؤه الإنسان بشهوات أو أفكار هدامة، والمجتمعات التي تهجر منهج الله تعاني من التفكك الأسري، وانتشار الجريمة، وفقدان الهوية. فالبعد عن القرآن هو بعد عن مصدر النور، ومن ظلمة الإعراض لا يولد إلا الضلال، كما يؤكد هدي النبي ﷺ.
رابعاً: كيف نطبق القرآن في حياتنا؟… من التلاوة إلى التنزيل
أكد د. محمد رجب أبو تليح أن القرآن لا يكفي أن يكون على أرفف المنازل أو في الهواتف، بل يجب أن يكون في القلوب والسلوك، وذلك عبر خطوات منهجية:
1. الورد اليومي (الورد المقروء):
تخصيص وقت ثابت يوميًا للقراءة، ولو قليلاً، مع الاستمرارية، اقتداءً بهدي النبي ﷺ.
2. التدبر والتفهم (الورد المدروس):
فالقراءة دون تدبر كمن يطالع رسالة دون فهم مضمونها. ينبغي الوقوف عند الآيات، وقراءة التفسير الميسر، والسؤال عن المعاني، قال تعالى:
﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: 29].
3. التحلي والتخلي (الورد السلوكي):
أن نجعل القرآن مقياسًا لأفعالنا؛ فما أمر به فعلناه، وما نهى عنه تركناه. فإذا قرأنا عن الصدق صدقنا، وإذا قرأنا عن الصبر صبرنا. وقد كان أصحاب النبي ﷺ لا يجاوزون عشر آيات حتى يتعلموا ما فيها من علم وعمل.
4. التعليم والنشر:
ومن أعظم سبل التطبيق تعليم القرآن للآخرين، سواء للأبناء أو من خلال حلقات التحفيظ.
الخاتمة: عهد مع الكتاب
اختتم د. محمد رجب أبو تليح كلمته بالتأكيد على أن القرآن الكريم هو الحبل الممدود بين السماء والأرض؛ من تمسك به نجا، ومن تركه هوى. فالإعجاز العلمي فيه يزيد الإيمان، وأهميته في حياتنا تفرض العودة إليه، وخطورة هجره تستدعي اليقظة، وسبل تطبيقه واضحة لمن صدقت عزيمته.











