تحقيقاتتوب ستوري

كيف انعكس الانقسام السياسي على المواطن والاقتصاد في ليبيا؟

بعد سنوات من الانقسام بين حكومتين ومؤسسات متوازية في ليبيا، لم تعد الأزمة في البلاد مجرد خلاف سياسي، بل تحوّلت إلى واقع يومي ينعكس على الخدمات الأساسية والاستقرار الاقتصادي والأمن المجتمعي. وبين محاولات دولية لإعادة إطلاق المسارات التفاوضية وتعثر المبادرات المحلية.. إلى أين يتجه مستوى الانقسام في ليبيا؟

عن هذا الموضوع، قال المحلل السياسي الليبي سالم أبو خزام، إن “مظاهر الانقسام السياسي في ليبيا باتت واضحة ومتعددة”، مشيرًا إلى أن “ما يُسمّى بالمؤسسات القائمة لا يتجاوز الإطار الشكلي، في ظل غياب مؤسسة وطنية موحّدة تجمع الليبيين تحت سقف واحد”.

وتابع أبو خزام قائلا ‘ أن “الانقسام لم يعد مجرد خلاف سياسي عابر، بل تمدد إلى مختلف مفاصل الدولة، حتى بات، بحسب وصفه، حاضرا في كل مكان، ولم يتبق سوى الإعلان الرسمي عنه بشكل صريح.

 

و أضاف المحلل السياسي الليبي أن هذا الواقع انعكس سلبا على حياة المواطن، الذي يدفع وحده ثمن حالة الانقسام غير المعلنة، في وقت تعيش فيه المؤسسات حالة من التيه و الترهّل، وتنتظر ما وصفه بـ”تسويات جديدة” بين القيادات المتحكمة في المشهد.

وأشار أبو خزام إلى أن “الأمل في التغيير بات معلقًا على حراك شعبي قد يضع حدًا لهيمنة القوى المسيطرة على السلطة”، معتبرًا أن “استمرار الأوضاع على ما هي عليه يُنذر بمزيد من الاحتقان المجتمعي”.

 

ورأى أبو خزام أن “التدخلات الأجنبية، أيًا كان مصدرها، ساهمت في تعميق الانقسامات الداخلية، وكأن هناك توافقًا دوليًا غير معلن على إبقاء ليبيا في دائرة الانقسام”، وأضاف أن “طموح التوحد لا يزال حاضرًا لدى الشارع الليبي، إلا أنه يفتقر إلى الحراك المنظم والفاعلية القادرة على إحداث تغيير حقيقي”.

وأكد أن “تفكيك حالة الانقسام يتطلب إرادة سياسية صادقة من جميع الأطراف، تقوم على التنازل عن المصالح الضيقة وتغليب المصلحة الوطنية”، مشددًا على أنه “لا يوجد رابح حقيقي في ظل استمرار هذا الوضع”.

وتابع أبو خزام أن “البلاد بحاجة إلى قيادات ملهمة وقادرة على إعادة بناء الثقة”، منتقدًا ما وصفه بـ”سيطرة شخصيات غير مؤهلة على مفاصل مهمة في الدولة،” الأمر الذي يستدعي “مراجعة شاملة وتغييرًا في المواقع القيادية الأساسية”، على حد قوله.

ودعا إلى الإعلان عن “مؤتمر تأسيسي” يُمهّد لإعادة بناء الدولة، يسبقه حلّ الأجسام السياسية الحالية، التي اعتبرها “غير صالحة للاستمرار”، على أن يُشرف على هذا المسار “إطار دولي يضمن النزاهة والشفافية”.

 

كما دعا إلى “تمكين الكفاءات الوطنية من الجامعات ومراكز البحث، ومن الشخصيات التي لم تنخرط في الصراع السياسي، للمساهمة في إعادة صياغة المشروع الوطني”، مؤكدًا أن “استمرار الأطراف الحالية في إدارة المشهد لن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمة ذاتها”.

وقال المحلل السياسي حسام الدين العبدلي إن “أبرز مظاهر الأزمة الراهنة تتمثل في الانقسام السياسي والمؤسسي، الذي ألقى بظلاله سلبًا على حياة المواطن، وأثّر بشكل مباشر على مختلف مناحي الحياة العامة”.

وأضاف العبدلي في حديثه لـ”سبوتنيك”، أن “الانقسام السياسي كان السبب الرئيسي في اندلاع الحرب في ليبيا، وهي حرب دفعت البلاد ثمنها من دماء أبنائها، حيث فقدت عائلات كثيرة شبابها، ودُمّرت منازل، وتشتت أسر، ما أدى إلى تراجع شامل في مستوى الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي”.

 

وأشار إلى أن الانقسام ساهم كذلك في تعميق الأزمة الاقتصادية، لافتًا إلى “انهيار الدينار الليبي، وغياب الميزانية الموحّدة، وتضارب الرؤى الاقتصادية، وهو ما انعكس سلبًا على قيمة العملة الوطنية وعلى أداء الاقتصاد بشكل عام”.

وأردف المحلل السياسي الليبي أن بعض الشخصيات داخل مؤسسات الدولة تتحمل مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع، في ظل ما وصفه بتأثيرات وتدخلات خارجية تزيد من تعقيد المشهد.

وبيّن أن “الاقتصاد الليبي، رغم ما يمر به من صعوبات، لا يمكن اعتباره منهارًا بالكامل، لكنه يعاني من سوء إدارة واستنزاف للموارد نتيجة الحروب وتعدد الحكومات، فضلًا عن انتشار الفساد”.

واعتبر أن “مصرف ليبيا المركزي لا يقوم بالدور المطلوب لمعالجة الأزمة”، متهمًا إدارته بـ”عدم تبني حلول عملية يمكن أن تسهم في إنقاذ البلاد من هذا الوضع المتردي.

 

وأكد العبدلي أن “المرحلة الحالية تتطلب قيادة كفؤة وقادرة على إدارة المؤسسات المالية، وفي مقدمتها المصرف المركزي، ووضع سياسات واضحة تعيد الاستقرار النقدي والمالي”، مشيرًا إلى أن “هناك حلولًا ممكنة، لكنها لا تُفعّل بالشكل المطلوب”.

 

كما لفت العبدلي إلى أن “الانقسام السياسي فتح الباب أمام أطماع بعض الدول الخارجية في ليبيا”، موضحًا أن “أطرافًا سياسية تسعى إلى تقديم امتيازات، سواء في قطاع النفط أو مشاريع البنية التحتية، مقابل الحصول على دعم سياسي يضمن لها الاستمرار في السلطة”.

وأكد أن “تجاوز هذه المرحلة يتطلب وعيًا وطنيًا جامعًا، يقوم على نبذ النعرات الجهوية والانقسامات السياسية، ورفض الاصطفاف الأعمى وراء أي طرف، باعتبار أن مصير الليبيين واحد، وأي أزمة تصيب البلاد تنعكس على الجميع دون استثناء”.

 

وأضاف أن “ما يُروَّج من خلافات حادة بين الأطراف السياسية لا يعكس دائمًا حقيقة المشهد”، معتبرًا أن “بعض هذه الأطراف، رغم اختلاف خطابها العلني، تتقاسم في الخفاء المصالح والاستثمارات، الأمر الذي ساهم في إطالة أمد الأزمة”، وشدد على أن “أي تدخل أجنبي ما كان له أن ينجح لولا وجود تواطؤ من بعض الساسة في الداخل”، داعيًا إلى “مساءلة حقيقية تعيد للدولة هيبتها وتضع حدًا لحالة التفكك المستمرة

 

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى