
ليس السكر، وحده، ذلك المتَّهَم الأوحد الذي ينبغي أن نعلِّقه على مشانق التسوّس، وإن كان أكثرهم شهرةً في قفص الاتهام. فحكاية الأسنان مع الألم حكايةٌ أقدم وأعقد، تتشابك فيها العادات مع الإهمال، والكيمياء مع السلوك، حتى يصعب اختزالها في ملعقة حلوة أو قطعة حلوى.
التسوّس في جوهره ليس فعل السكر، بل فعل الزمن حين يُترك للفوضى. فالسكر لا ينخر السنّ بيديه، وإنما يقدِّم وليمةً عامرة لكائنات دقيقة تسكن الفم. هذه البكتيريا، حين تجد السكر، تحوِّله إلى أحماضٍ خفيّة تهاجم المينا، ذلك الدرع الأبيض الذي يحمي الأسنان. ومع تكرار الهجوم، وغياب الحماية، تبدأ التشققات الدقيقة، ثم تتسع الهوة حتى يستقر الألم في العصب، ضيفاً ثقيلاً لا يُستأذن.
لكن لو كان السكر وحده السبب، لكانت كل الأسنان سواءً في المصير، ولما نجا من الحلويات أحد. الحقيقة أن عوامل أخرى تتآمر بصمت. نظافة الفم، مثلاً، ليست طقساً تجميلياً، بل طقس نجاة. فالفرشاة ليست أداة رفاه، بل حارسٌ يقظ يطرد بقايا الطعام قبل أن تتحول إلى أحماض، ويُربك البكتيريا قبل أن تستقر وتبني ممالكها الصغيرة.
ثم إن نوعية السكر نفسها ليست سواء. فالسكريات اللزجة، التي تلتصق بالأسنان وتقاوم اللعاب، أخطر من تلك التي تمر عابرة. كما أن تكرار تناول السكر أشد ضرراً من كميته؛ فالقليل المتكرر يفتح الباب للهجوم مرة بعد مرة، بينما قد يمر الكثير مرة واحدة دون أن يترك الأثر ذاته. الزمن هنا شريك الجريمة، لا مجرد شاهد.
ولا يمكن إغفال دور اللعاب، ذلك السائل المتواضع الذي يعمل في الخفاء. فهو يغسل الفم، ويعادل الأحماض، ويعيد للسن بعض ما فقده من معادن. حين يقلّ اللعاب، بسبب جفاف أو مرض أو عادة، تصبح الأسنان أعزل، ويصبح السكر أكثر شراسة، وإن لم يزد وزنه.
أما الوراثة، فلها همسها الخاص. فهناك من وُهبت أسنانهم مينا أكثر صلابة، ومن كُتب عليهم ضعفٌ مبكر. وليس هذا عدلاً ولا ظلماً، بل اختلافاً في الخِلقة، يفرض على بعض الناس حذراً مضاعفاً.
من هنا، يبدو التسوّس كقصيدة رديئة لا يكتبها شاعر واحد، بل تتشارك فيها أقلام كثيرة: سكرٌ متكرر، تنظيفٌ مهمل، لعابٌ شحيح، وعاداتٌ لا تُراجع. والنجاة منها لا تكون بإعلان الحرب على السكر وحده، بل بإعادة ترتيب العلاقة معه، وبناء وعيٍ يوميّ يجعل العناية بالأسنان فعلاً طبيعياً لا مؤجلاً.
فالسكر ليس بريئاً، لكنه ليس الجاني الوحيد. هو شرارة، أما الحريق، فيشعله الإهمال.



