بين الرحمة والرشد: دعاء النجاة حين تضيق السُّبل»
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيم
﴿ رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا ﴾
مقدّمة تمهّد لفكرة اليوم
في لحظات الحيرة التي تتشابك فيها الطرق، ويثقل القلب بتعدّد الاختيارات، لا يطلب المؤمن تفاصيل الطريق بقدر ما يطلب سلامة الاتجاه. هناك أوقات لا نحتاج فيها إلى كثرة التخطيط، بل إلى نفحة رحمة تُنقذ القلب من القلق، ورشدٍ يُبصرنا بالخطوة الصحيحة. تأتي هذه الدعوة القرآنية كهمسٍ ربانيّ يُعلّمنا كيف نلجأ، وكيف نطلب، وماذا نطلب حين تضيق السُّبل.
تأمّل في معنى الآية وسياقها
هذه الآية جاءت على لسان أصحاب الكهف، وهم فِتية آمنوا بربهم في زمنٍ اشتدّ فيه الباطل، فاختاروا الهجرة بدينهم إلى كهفٍ مظلم في ظاهره، منيرٍ في حقيقته. لم يسألوا النجاة وحدها، بل بدأوا بالرحمة:
﴿ آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ﴾
رحمةٌ خاصّة، مصدرها القرب الإلهي، لا تُقاس بالأسباب ولا تُحدّ بالمنطق.
ثم جاء الطلب الثاني مكمّلًا للأول:
﴿ وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا ﴾
أي اجعل عواقب أمورنا على هدى، ودبّر لنا ما يُصلح حالنا، حتى وإن خفيت علينا الحكمة الآن.
فالآية تجمع بين لطف البداية وحسن النهاية: رحمة تُطمئن القلب، ورشد يُقوّم المسار.
تطبيق حياتي واقعي للرسالة
في واقعنا اليوم، نعيش اختبارات شبيهة: قرارات مصيرية، ضغوط مادية، علاقات مُربكة، أو مستقبل يبدو ضبابيًّا. كثيرًا ما نُرهق أنفسنا بالسؤال: ماذا أفعل؟ بينما الأجدر أن نسأل: كيف يوجّهني الله؟
حين تردّد هذه الدعوة بصدق، فأنت تُسلّم أمرك لمن يعلم السرّ وأخفى. تطلب رحمة تُخفّف ثقل التجربة، وتطلب رشدًا يحفظك من سوء الاختيار، حتى لو بدا القرار صعبًا أو مخالفًا لهواك.
كم من طريق ظننّاه خسارة، وكان عين النجاة. وكم من تأخير حسبناه عقابًا، وكان إعدادًا ورحمة مستترة.
رسالة اليوم
اطلب الرحمة قبل الحل، واطلب الرشد قبل الخطوة.
فمن رُزق رحمة الله، هان عليه كلّ شيء،
ومن هُيّئ له الرشد، سار مطمئنًّا ولو في عتمة الطريق.
ردّدها بقلبٍ حاضر:
ربّنا آتنا من لدنك رحمة، وهيّئ لنا من أمرنا رشدًا،
واترك لله تدبير ما عجز عنه عقلك، فحُسن الاختيار هبة، لا اجتهادًا فقط.


