«حين يلتقي التوحيد بالإحسان: طريق القرب من الله يبدأ من برّ الوالدين»
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيم
﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾
مقدمة تمهّد لفكرة اليوم
في زحام الحياة، وتكاثر المسؤوليات، وتبدّل الأولويات، قد تنشغل القلوب بما هو طارئ، وتغفل عن الجذور التي منها بدأ الطريق. وبينما يبحث الإنسان عن البركة والطمأنينة والرضا، يغفل أحيانًا عن مفاتيحها الواضحة التي وضعها الله أمامه، لا تحتاج تعقيدًا ولا فلسفة، بل صدقًا في التوجّه وحسنًا في المعاملة.
آية اليوم تأتي كميزان دقيق، يربط بين حقّ الله وحقّ الخلق، ويضع أساس الاستقامة الروحية والإنسانية في سطر واحد لا يقبل الفصل.
تأمّل في معنى الآية وسياقها
﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ ﴾
أي حكم حكمًا قاطعًا، وأمر أمرًا لا رجعة فيه. ليس توجيهًا اختياريًا، ولا وصية ثانوية، بل قضاء إلهيّ محكم.
﴿ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ﴾
توحيد خالص، يحرّر القلب من التعلّق بغير الله، ويعيد ترتيب المقاصد والغايات، فلا يكون في القلب سلطان إلا للخالق.
ثم يأتي العطف العجيب:
﴿ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾
فلا يذكر الله شكره وحده، بل يقرنه مباشرة بالإحسان إلى الوالدين، وكأن الإيمان الصادق لا يكتمل إلا بأثره العملي في أقرب الناس إلينا.
لم يقل: عدلًا، ولا واجبًا، بل إحسانًا… أي زيادة في اللطف، وتجاوزًا للتقصير، ورحمة حتى مع التعب، وصبرًا حتى مع الأذى.
سياق الآية يعلّمنا أن العبادة ليست طقوسًا معزولة، بل أخلاقًا حيّة، تبدأ من البيت، وتُقاس بمدى رفقك بمن كانوا سبب وجودك بعد الله.
تطبيق حياتي واقعي للرسالة
في الواقع اليومي، قد لا يكون العقوق صراخًا أو قطيعة، بل كلمة جافة، أو تجاهلًا متكررًا، أو ضيقًا ظاهرًا عند الطلب، أو انشغالًا دائمًا بلا اعتذار.
الإحسان الذي تدعو إليه الآية يتجلّى في:
الاستماع قبل الرد
الدعاء قبل الجدال
الصبر قبل الغضب
وخفض الجناح حتى في لحظات التعب
قد تكون مثقلًا بالهموم، لكن الإحسان لا يُؤجَّل حتى ترتاح؛ بل هو باب للراحة نفسها.
كم من ضيقٍ فُرج بسبب دعوة صادقة من قلب أم، وكم من طريقٍ استقام لأن أبًا رُضِيَ عنه.
رسالة اليوم
إن أردتَ صفاء التوحيد، ففتّش عن أثره في معاملتك لوالديك.
فالعبادة التي لا تُهذّب الخُلُق ناقصة، والإيمان الذي لا يثمر إحسانًا أقرب الناس إليك إيمان يحتاج مراجعة.
أحسن اليوم… بكلمة، بنظرة، بدعاء، بصبر.
فلعلّ في هذا الإحسان بابًا خفيًا، يفتح لك من الخير ما لم تكن تتوقّعه.










