اقرأ لهؤلاءتوب ستوري

المفكر العربي “علي محمد الشرفاء الحمادي” يكتب…. الرسالة الإلهية بين التنزيل الإلهي والتأويل البشري

التنزيل هو كلام الله تعالى الذي أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم، آياتٍ بيناتٍ تحمل النور والهدى والرحمة للعالمين. أنزله سبحانه ليعلّم الناس ما فيه من منفعة لهم في الدنيا والآخرة، وليخرجهم من الظلمات إلى النور، ويرسم لهم خارطة الطريق إلى السعادة في الدنيا والنجاة في الآخرة رحمةً من الله بخلقه.

هذا التنزيل الإلهي لا يجوز أن يوضع تحت الشكوك أو يخضع لمقاييس العقول البشرية التي لا تستطيع الإحاطة بحكمة الله ومقاصده العليا، لأن العقل محدودٌ بحدود التجربة، بينما كلام الله مطلقٌ في علمه وحكمته وعدله. فآياته ليست نتاج جدلٍ لغويٍّ أو فلسفةٍ بشرية، بل هي تشريعٌ محكمٌ من الخالق جلّ وعلا ينظّم حياة الإنسان على أساس الرحمة والعدل.

لقد وعد الله بحفظ كتابه، فقال تعالى: «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ» [9:الحجر]، فبقي القرآن على مدى القرون مصونًا من التحريف والتبديل، بينما نُسبت إلى الرسول رواياتٌ بشرية حملت في طياتها تأويلاتٍ وأوهامًا أضاعت جوهر الرسالة، فابتعد الناس عن هدي القرآن واتبعوا أهواء المؤوِّلين.

إن الله سبحانه لم يُكلّف رسوله بتشريعٍ من عند نفسه، وإنما أمره أن يبلّغ ما أنزل إليه من ربه، فقال تعالى: «فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ، وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ» [43:الزخرف]. فمهمة الرسول هي التبليغ والبيان، لا التشريع والتقنين، ولذلك سيُسأل الناس يوم القيامة عمّا اتبعوا من كتاب الله، لا عمّا رواه البشر من أقوالٍ منسوبةٍ إليه.

ويؤكد الله سبحانه هذا التكليف بقوله: «وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ» [40:الرعد]، فليست على الرسول مسؤولية إلا البلاغ المبين.

وفي موضعٍ آخر يخاطبه بقوله: «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا» [45-46:الأحزاب]، ليبلّغ الناس آيات الله ويعرّفهم بحكمتها ومقاصدها، فيسيروا على هداها لما فيه خيرهم وصلاحهم في الدنيا والآخرة.

أما التأويل البشري فقد خرج عن حدود البلاغ الإلهي، حين جعل من الروايات البشرية نصًا مقدّسًا يعلو على آيات الله. فاختلط الحق بالباطل، وأصبحت الأهواء مرجعًا للتفسير، واستُبدل خطاب الرحمة بخطاب الكراهية، ورسالة السلام برسالة العنف. هنا ضاعت ملامح الرسالة الأولى التي بُعث بها الرسول رحمةً للعالمين، واستُبدلت بمذاهب ومتونٍ وفتاوى تُفصَّل على مقاييس السلطة والهوى.

لقد نبه الله سبحانه رسوله أن أي قولٍ يُنسب إليه ولم يأذن الله به هو افتراءٌ عظيم، فقال: «وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ» [44-47:الحاقة]، ليبيّن للناس أن الرسول لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحيٌ يوحى.

ومن هنا يتبيّن أن سنة الرسول الحقيقية ليست ما نُسب إليه من رواياتٍ، بل هي التطبيق العملي لآداب القرآن وقيمه في الرحمة والعدل والإحسان وحسن الخلق، كما وصفه ربه: «وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ» [4:القلم].

فسيرته عليه السلام هي تجسيدٌ للقرآن الكريم في الواقع الإنساني، لا نصوصٌ متفرقةٌ ينقلها الرواة.

لقد حوّل التأويل البشري الرسالة الإلهية إلى ميدان صراعٍ بين المذاهب، كلٌّ يدّعي احتكار الحقيقة، ويُكفّر من خالفه، فانتقلت الأمة من وحدة الهدي إلى فرقةٍ مقيتةٍ وتنازعٍ مستمر، بينما الخطاب الإلهي واحدٌ لا يتعدد. وقد حذر الله تعالى من التفرّق بقوله: «وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا» [103:آل عمران]، ولكنهم أعرضوا عن كتاب الله واتبعوا الروايات، فبدّلوا نعمة الوحدة بنقمة الفتنة.

إن الفرق بين التنزيل والتأويل هو الفرق بين نور السماء وظلمات الأرض. فالتنزيل الإلهي يفتح للعقل طريق المعرفة والتفكر في مقاصد الخالق، بينما التأويل البشري يقيّد العقل بنصوصٍ وضعها البشر، فيغدو الإنسان أسيرًا لسلطةٍ فكريةٍ تُقدّم الظنّ على اليقين.

وقد قال تعالى في وصف القرآن: «إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ» [9:الإسراء]، فهو الهداية الوحيدة التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها.

إن عودة المسلمين إلى النبع الأول – إلى التنزيل الإلهي – ليست خيارًا فكريًا فحسب، بل هي فريضة بقاءٍ واستقامة. فالتأويل البشري الذي تجاوز حدود البلاغ الإلهي جعل الأمة تعيش في ظلماتٍ متراكمةٍ من الخرافة والانقسام، بينما كتاب الله يناديهم إلى النور: «اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ» [257:البقرة].

إنها دعوة لإعادة بناء الوعي على أساس الوحي، وردّ الكلمة إلى مصدرها الأول: كتاب الله، مرجع الإسلام الأوحد، وشريعته الخالدة. فالله سبحانه هو الذي أنزل الذكر، وهو وحده الذي تكفّل بحفظه، ليبقى حاكمًا على العقول لا محكومًا بها، وليظل مرجعًا خالدًا للحياة لا تابعًا لفتاوى البشر وأهوائهم.

إن الرسالة الإلهية ليست نصًا جامدًا يُؤوَّل حسب الرغبة، بل هي عهدٌ بين الله والإنسان.

فمن التزم بها فقد اهتدى، ومن اتبع التأويل البشري فقد ضلّ عن سواء السبيل.
ولن تعود الأمة إلى رشدها حتى تفرّق بين الوحي المقدّس والرأي المحدث، بين التنزيل الإلهي الذي لا يبدَّل، والتأويل البشري الذي لا يُقدَّس.

فالله يقول الحق، وهو يهدي السبيل.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى