
قال الشيخ إسلام النواوي من علماء الأزهر الشريف، ردا على رؤية المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي، في مقاله “خارطة الطريق الإلهية واتباع منهاج القرآن”، أن القرآن الكريم يساهم بشكل مباشر في بناء شخصية المسلم، فهو يغرس فيه القيم النبيلة مثل الصدق، والأمانة، والتواضع، والرحمة، كما أن القرآن يوجه المسلم ليكون قدوة حسنة في مجتمعه، ويربيه على مراقبة الله في جميع أفعاله وأقواله، موضحا أن المسلم عندما يتدبر القرآن يجد فيه الإجابات التي يبحث عنها في حياته، مما يزيده يقينا وثقة بربه، فتأثير القرآن يظهر في قدرة المسلم على اتخاذ القرارات الصائبة، والتعامل بحكمة مع مختلف المواقف، كما أن الآيات القرآنية تشعر المسلم بمسؤوليته تجاه الآخرين، وتحثه على الإحسان إليهم.
وأوضح الشيخ إسلام النواوي، أن القرآن الكريم هو التشريع الإسلامي الذي بني عليه أسس الإسلام من قواعد وأساسيات لتعامل المسلم في حياته الدنيا، ومن يلازم بما شرع وجاء بالقرآن فإن جزاؤه الجنة في الآخرة والحياة الطيبة في الدنيا كما أخبرنا الله، مؤكدا أن القرآن يضع للمسلم القواعد والمبادئ التي تنظم حياته، فمن خلال القرآن يعرف المسلم الحلال والحرام، ويتعلم القيم الأخلاقية التي تعزز من مكانته كإنسان، كما أن القرآن الكريم ليس مجرد نصوص تقال، فإذا لم تدبر آياته جيدًا لن تنال الطمأنينة والأجر العظيم الموجود به، فهو منهج شامل يتناول جميع القضايا التي تهم الإنسان، من عباداته إلى معاملاته، ومن أخلاقه إلى تطلعاته.
وأشار العالم الأزهري، الى أن أهمية القرآن الكريم تظهر في كونه مصدرا للطمأنينة والراحة النفسية، حيث أن قراءة القرآن الكريم تمنح المسلم السكينة، وتساعده على التخلص من القلق والتوتر، مضيفا أن شخصية المسلم الذي يتفاعل مع القرآن تكون متزنة ومرنة، ويتمتع بقدرة عالية على ضبط النفس، والسيطرة على مشاعره، والتعامل مع التحديات بروح إيجابية، كما يقول الله تعالى: “وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ” (سورة النحل: 89).
وإلى نص مقال المفكر العربي علي محمد الشرفاء “خارطة الطريق الإلهية واتباع منهاج القرآن الكريم”:
الإنسان الذي يبحث عن رفع مستواه وقدراته في المشاركة في فريق منتخب لكرة القدم لا يعتمد في تحسين مستوى قدراته على قراءة كتب عن نجاحات اللاعبين، وكيفية وصولهم إلى المستوى العالمي، بل بالتدريب والعزيمة، والمتابعة لبرامج المباريات، فقراءة تلك التجارب لن تحقق هدف الإنسان، كذلك القرآن يقرأه من يسمونهم المسلمين على مدى أكثر من خمسة عشر قرنا، ولكنهم لم يطبقوه تدبرا وتدريبا في سلوكياتهم وحياتهم، ليكون برنامجا يوميا، باتباع شرعة الله ومنهاجه في كل لحظة من حياة الإنسان، إذاً معنى قراءة القرآن وحفظه وتجويده هي مؤامرة على رسالة الإسلام، لإشغال الناس عن التزامهم بعهدهم مع الله، في اتباع خارطة الطريق الإلهية التي تحقق الرحمة والعدل، والتسامح والتعاون، واحترام حقوق الإنسان، والتعامل بالإحسان، وبالكلمة الطيبة.
ويعيش الناس في المجتمعات الإنسانية في أمن وسلام، عندما يترجمون أوامر الله في تشريعاته ويطبقونها مع أنفسهم وعليها، ليصلح حال الناس في المجتمعات الإنسانية، ومازالت المؤامرة على القرآن مستمرة، حيث تم اختزال قراءته في مناسبات العزاء والأفراح، وهكذا تحقق هجر القرآن، ولو اتبع المسلمون كتاب الله بعد وفاة الرسول لما تقاتلوا على الدنيا والمصالح الشخصية حتى اليوم، ولتحقق تطبيق أمر الله في قوله (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) ثم أوصاهم بقوله تعالى:(وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) ( آل عمران: 103) ، ثم حذرهم بقوله:(وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ)(الأنفال-46).
وصدق الله سبحانه فبعد وفاة الرسول دبت الفتنة بين أصحابه، وسفكت الدماء ، ونجح المجرمون أولياء الشيطان أن يجعلوا المسلمين يهجرون القرآن، وأتهمهم الله ورسوله بتهمة هجر القرآن وعدم تطبيق قواعده وتشريعاته ومنهاجه الأخلاقي في الحياة الدنيا، حيث شهد الله عليهم بتلك التهمة العظيمة، فيما نقلته الآيات القرآنية عن شكوى الرسول قوله: (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (30) (الفرقان) واستبيحت حقوق الأبرياء.
وهكذا نعيش أيامنا بعد وفاة الرسول، ونحن في شقاء وحروب وفتن وغدر وكروب، لم تكفي العرب دماء سالت أربعة عشر قرنا أو يزيد منذ لحظة أن قتل أبوبكر التابعين الذين امتنعوا عن دفع الزكاة، ومازالت دماء العرب تروي الصحاري والقفار، وهم في شقاء وصدام ومعاناة وخصام، وأبرياء يسقطون مضرجين بالدماء، وظلم وإجرام من نفوس سلمت أمرها للشيطان، حين هجرت تشريعات الرحمن، والنظام الذي جعله الله طريق الحق للإنسان بالرحمة والعدل والإحسان، بالتعاون بين الناس على البر والتقوى، وتحريم التعاون على الإثم والعدوان، لذلك كانت عقوبة هجرهم لآيات الرحمن أن عاقبهم الله قرونا إلى يوم يبعثون، إن لم يرجعوا ويحكموا القرآن في مجتمعاتهم، ويطبقوا شرعة الله ومنهاج الرحمن، فمهما دعوا الله وطلبوا منه العون والرحمة والغفران فلن يغفر الله لهم نسيان كتابه وأحكام قرآنه، ورفض اتباعهم لمنهاجه، الذي يرتقي بأخلاق الناس إلى مصاف الأنبياء وقد وعدهم ربهم بقوله ؛ (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾(فصلت: 30).
تلك بشرى للذين اتبعوا آياته وطبقوا عظاته وتوصياته، ولم يخالفوا أوأمره لما يحقق مصلحتهم في الحياة الدنيا،أما الذين هجروا كتابه منذ وفاة الرسول إلى اليوم واستهوتهم الشياطين، فيعيشون في محنة وفتن وحروب لا تبقي ولا تذر، ودماء يسبح فيها الأبرياء، دون جريرة أو ذنب ارتكبوه، حيث تركهم ربهم في الحياة الدنيا يعيشون في ظلمة النفوس، وغيبة العقول، وسقوط الدول وتشتت الشعوب، وقد ضاقت عليهم الدنيا بما نسوا الله فأنساهم انفسهم وهم غير مدركين، فكم من الأمم سادت ثم بادت، والقرآن يذكر الناس حتى يتعظوا، ولكن الشيطان قد أحكم قيادته للنفوس وغيب العقول، ولذلك لن ينصرهم الله بما ارتكبت أيديهم من ظلم وإجرام، بتجاوزهم للخطوط الحمراء التي رسمها الله للناس من تشريعات المحرمات، وعناصر النًواهي والمعاصي والسيئات، وظل المسلمون منذ وفاة الرسول حتى يومنا هذا يعيشون في صراع مع أنفسهم، يبحثون عن طريق السلام ولن يجدوه إلا بعد أن يرجعوا لربهم ويتوبوا توبة نصوحة، لا رجعة فيها للظلم والاستعلاء والبغي والطغيان، وأن يسلموا لله تسليما ويحكموا بالعدل والرحمة وفق أحكام القرآن، لعل الله يرحمهم ويغفر لهم ذنوبهم، وهو الغفور الرحيم ، فتذكروا يا أولو الألباب.









