حين يزرع الدين في القلبِ فضائلَ العشرة، ويهدي السلوكَ نحو سبل الرحمة، يتجلى الإسلام لا كمنظومة أحكام فحسب، بل كرسالةٍ تصنع الإنسان على عين المروءة. ومن بين هذه القيم العظيمة، يبرز حُسن الجوار، لا كخُلقٍ ثانوي، بل كركن من أركان العلاقات الإنسانية التي أراد الإسلام أن يبني عليها مجتمعًا متماسكًا، متآلف الأرواح قبل الأجساد.
لقد بلغ من اهتمام الإسلام بالجار أن ربط التعامل معه بالمراتب الإيمانية. تأمّل قول النبي محمد ﷺ:
“من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم جاره”
فالإكرام هنا ليس تفضّلًا، بل علامة على صدق الإيمان، ودليلٌ على حياة الضمير وسموّ النفس.
الجار في الإسلام لا يُعامل على قدر القُرب الجغرافي فقط، بل يُكرم على قدر القُرب القلبي، والحقّ فيه يتسع حتى يشمل ستره، ونصرته، ومواساته، وغض الطرف عن زلاته. حتى الخصومة مع الجار ليست كغيرها، فإن فيها ما يُثقل الميزان؛ كيف لا وقد قال رسول الرحمة: “والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن… قيل: من يا رسول الله؟ قال: من لا يأمن جارُه بوائقَه.”
فانظر كيف نفى عنه الإيمان الكامل، لأن جاره لا يأمن شرّه!
ما أوسع قلب الإسلام حين يجعل من الجار شريكًا في الهمّ والفرح، في الطعام والمشاعر، في العيد والحزن، وكأنه يقول: لا تكتمل إنسانيتك ما دام جارك محرومًا من طيب أخلاقك.
في حُسن الجوار، تتحقق معاني الرحمة العملية. فكم من بيتٍ تُضيئه شمعةُ مودةٍ من جار كريم، وكم من نفسٍ تنهض من عثراتها بفضل كلمةٍ طيّبة، أو صحن طعامٍ في وقت العُسر، أو بابٍ يُطرق لا ليُطالب، بل ليواسي!
ويا لَها من مفارقة… أن يدعونا الإسلام إلى صلة الأرحام، ثم يُرفقها بوصية الجار، وكأن الجيرة رحمٌ جديدة يخلقها القدر، ويباركها الدين، ويرعاها الحياء والإيمان.
فيا من تقرأ هذه السطور، تذكّر أن في كل صباح تمرّ فيه بجارك دون تحية، أو تسمع أنينه دون مبالاة، أو تتجاهل حاجته وقدرتك حاضرة… فإنما تُفوّت على نفسك بابًا من أبواب الجنة، لأن الجار، في شرعة الإسلام، ليس غريبًا، بل هو أمانة.
ختامًا، إن حُسن الجوار في الإسلام ليس خُلقًا يُمارَس وقت الرخاء فحسب، بل هو امتحان دائم لنبلك، يُظهر معدنك في الأوقات العصيبة، ويجعل من بيتك بيتين، ومن قلبك قلوبًا. فكن لجارك كما تُحب أن يكون لك، تجد في الأرض سلامًا، وفي السماء دعاءً لا يُرد.










