
يُعد العلم في الإسلام من أعظم القيم التي دعا إليها الدين الحنيف، وجعلها أساسًا لنهضة الأمم ورقيّها. فالقرآن الكريم بدأ أولى آياته بالأمر بالقراءة، في قوله تعالى: “اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ” [العلق: 1]، مما يُظهر المكانة السامية التي احتلها العلم في بناء الفكر الإنساني والإسلامي معًا. لم يكن العلم في الإسلام غاية دنيوية بحتة، بل هو عبادة تُقرب العبد إلى ربه وتفتح له أبواب الفهم والتدبر في خلق الله.
العلم في الإسلام لا ينحصر في العلوم الشرعية فقط، بل يشمل كل علم ينفع الإنسان في دنياه وآخرته، فكل معرفة تسهم في إعمار الأرض وخدمة البشرية تُعد من صميم رسالة الإسلام. قال الله تعالى: “قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ” [الزمر: 9]، ليؤكد أن أصحاب العلم يتميزون بمقام رفيع عند الله، فهم الذين يدركون سنن الكون ويستعملون معرفتهم في الخير والإصلاح.
لقد فهم المسلمون الأوائل هذا المعنى الرفيع، فأسسوا حضارة عظيمة جمعت بين الإيمان والعقل، بين الروح والمادة. كانت المساجد والمدارس مراكز علمية تخرّج منها العلماء في الطب، والفلك، والهندسة، والفلسفة، والفقه، واللغة، وساهموا في إثراء الإنسانية جمعاء. لم تكن حضارتهم قائمة على الجهل أو النقل الأعمى، بل على البحث، والتجربة، والملاحظة، وهي الأسس التي تقوم عليها العلوم الحديثة اليوم. قال تعالى: “إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ” [آل عمران: 190]، فالإسلام يحث على التأمل والتفكر، وهما جوهر كل علم نافع.
كما أن الإسلام ربط العلم بالأخلاق، فالعلم إذا انفصل عن القيم يصبح خطرًا على الإنسان والمجتمع. فالعالم الحقيقي هو من يخشى الله في علمه، كما قال تعالى: “إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ” [فاطر: 28]، فالعلم المقترن بالتقوى يُثمر سلوكًا راقيًا وعدلاً في الحكم وصدقًا في القول والأداء. لذلك، كانت وظيفة العلماء في الإسلام لا تقتصر على التعليم، بل تمتد لتوجيه الناس نحو الخير والإصلاح والعدل.
ولم تكن الحضارة الإسلامية يومًا منغلقة على ذاتها، بل فتحت أبوابها للمعرفة من كل الحضارات السابقة، فترجمت الكتب اليونانية والفارسية والهندية، ونقدتها وأضافت إليها، لتنتج فكرًا عالميًا مبدعًا ومتميزًا. هذا التفاعل العلمي الإنساني صنع حضارة استمرت قرونًا تُنير العالم بالعلم والعدالة. قال تعالى: “يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ” [المجادلة: 11]، فالعلم هو طريق الرفعة والتمكين في الدنيا والآخرة.
وفي واقعنا المعاصر، أصبح من الضروري أن نعيد للعلم مكانته الحقيقية في حياتنا، فنُربي الأجيال على حب المعرفة والبحث والابتكار، ونربط العلم بالإيمان والأخلاق حتى لا يتحول إلى أداة فساد أو استغلال. فالتقدم المادي وحده لا يصنع حضارة، وإنما الحضارة الحقيقية هي التي تجمع بين العلم والإيمان، والفكر والعمل، والمادة والروح.
إن الإسلام يرى في طلب العلم فريضة مستمرة، لا تتوقف بسن أو زمن، فهو واجب على كل مسلم ومسلمة، لأنه السبيل لمعرفة الله وإعمار الأرض ونشر الخير. فبالعلم تبنى العقول، وتُقوَّم النفوس، وتُزدهر المجتمعات. وإذا عاد المسلمون إلى جوهر دينهم في فهم العلم والعمل به، استعادوا مكانتهم الرائدة بين الأمم، وحققوا رسالتهم في نشر النور والهداية.










