توب ستوريمن وحى القرآن

السماحة في الإسلام: خلق النبلاء وروح الشريعة

في عالم يضجّ بالصراع، ويتناثر فيه الغضب كشرر النار، تشرق السماحة في الإسلام كنسمة ربيع تهبّ على قلبٍ أنهكه الشتاء. إنها ليست خُلقًا عابرًا أو سلوكًا ظرفيًّا، بل هي جوهر هذا الدين وروحه التي تسري في كل تعاليمه، وتفيض في كل معاملاته، وتتلألأ في سيرته النبويّة العطرة.

السماحة في الإسلام ليست ضعفًا، بل قوّة الرحمة حين تتجلّى، وليست تهاونًا، بل حكمة الصدر الواسع حين يعلو فوق الضغينة. قال رسول الله ﷺ:
“إن الدين يُسر، ولن يُشادّ الدين أحدٌ إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا…”، حديثٌ من نور، يرسم ملامح هذا الدين المتسامح الذي جاء ليرفع المشقة، ويهدي إلى السكينة، ويُحبب الخلق في ربهم ودينهم.

تجلّت السماحة أول ما تجلت في سيرة النبي ﷺ، في مكة حيث قابل الأذى بالدعاء، والجهل بالحلم، والكراهية بالمغفرة. ألم يكن بمقدوره أن يدعو على قومه وقد آذوه وأخرجوه؟ لكنّه قال يوم فتح مكة، وكأنّه ينطق بلسان السماحة ذاتها:
“اذهبوا فأنتم الطلقاء”، جملة تساوي في قيمتها ما لا تحمله جيوش ولا تقرره قوانين.

ثم امتد هذا الخلق ليصير مبدأً راسخًا في شريعة الإسلام، في البيع والشراء، في الحكم والقضاء، في الخصام والسلام. قال رسول الله ﷺ:
“رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى”.
فما أعذب أن تكون السماحة ميزانك في طلب الدنيا، لا تطغى إذا غلبت، ولا تجحف إذا طالبت.

ولم تقتصر السماحة على المسلمين وحدهم، بل شملت غيرهم ممن عاشوا بينهم، فجعل الإسلام من التسامح مع غير المسلم خلقًا من أخلاق الدين، لا مجرد مظهر اجتماعي. قال تعالى:
“لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ”.

فيا من تسير في درب الحياة، اجعل من السماحة زادك، فإنك لا تدري متى تمرّ بروحٍ أتعبها العسر، أو قلبٍ أوجعته القسوة. كن سمحًا في عتابك، في ردّك، في نظرتك، حتى يكون الإسلام الذي تحمله في قلبك رسالة حبّ لا سيف خصام.

السماحة ليست خُلقًا يُعلّق على الجدران، بل حياة تُعاش، ونور يضيء لك الطريق وسط العتمة. هي سرّ القبول بين الناس، وهي بركة في الرزق، وطمأنينة في القلب، ورضا من الله العليّ الكريم.

فطوبى للسمحاء، وطوبى لمن جعلوا من خلق الإسلام عطرًا ينثرونه في دروب العالم.

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى