
السكينة هي تلك الراحة العميقة التي تنزل على القلب فتُطفئ اضطرابه، وتُهدّئ خوفه، وتربط على صدره ربطًا يجعله ثابتًا مهما اشتدّت العواصف حوله. وهي من أعظم الهدايا التي يمنّ الله بها على عباده المؤمنين، فهي ليست شعورًا عابرًا، بل حالة روحية تُشرق في القلب فتقوده إلى الرضا، والصبر، والتسليم، واليقين بأن كل ما عند الله خير.
السكينة ليست وليدة الظروف ولا نتاجًا للراحة المادية، بل ثمرة إيمان راسخ. فالإنسان قد يمتلك المال، والصحة، والمكانة، لكنه يفتقد السكينة، بينما آخر قد يكون أقلّ منه في الدنيا، لكن قلبه مغمور بالطمأنينة. والسرّ في ذلك أن السكينة لا تُكتسب من الدنيا، بل يُنزلها الله إنزالًا على القلوب المؤمنة. قال تعالى:
﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: 4].
هذه الآية توضّح أن السكينة ليست مجرّد شعور، بل هبة ربانية تُمنَح لمن استقرت في قلوبهم الثقة بالله. فالله هو الذي يُنزل السكينة حين يضطرب القلب، وهو الذي يربط على القلوب عند الخوف، وهو الذي يجعل المؤمن ثابتًا في أحلك اللحظات.
والسكينة هي ما يجعل المؤمن يرى الابتلاء بمنظار مختلف؛ لا يراه نقمة، بل بابًا إلى لطف الله، ولا يراه ضيقًا، بل فرصة لزيادة القرب. فالمؤمن إذا نزلت عليه السكينة تغيّر داخله قبل أن يتغيّر خارجه، فيصبح أكثر وعيًا، وأشد ثباتًا، وأعمق فهمًا لما يجري حوله. قال تعالى:
﴿فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ [التوبة: 26].
وقد يتساءل البعض: كيف تُنال السكينة؟
إن للسكينة أبوابًا، من أهمها الإيمان الصادق، والذكر، والاعتماد على الله، والصلاة، وتفويض الأمر له سبحانه. فالقلب لا يهدأ إلا إذا وجد ملاذًا، ولا ملاذ أرحب من حضرة الرب. قال تعالى:
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: 28].
والسكينة لا تعني غياب المشكلات، بل هي القوة العميقة التي تساعد الإنسان على مواجهتها دون انهيار. قد يبكي المؤمن، ويتعب، ويحزن، لكنه لا ينكسر لأن السكينة تحفظ قلبه من الضياع. كما أنها تعطيه نورًا يرى به الأشياء على حقيقتها؛ فيتجاوز الوهم، ويقترب من اليقين، ويتعلم أن ما اختاره الله له خير مما يختاره لنفسه.
والسكينة ترتبط أيضًا بالثقة في وعد الله، وبالإيمان بأن تدبيره أعظم من تدبير العباد. فحين يتوكل العبد حق التوكل، يعطيه الله من السكينة ما يجعله يمضي في حياته مُرتاح القلب ولو ضاقت الأسباب. وقد مرَّ الأنبياء بأشدّ الظروف، لكن السكينة كانت غذاء قلوبهم، ولهذا ثبتوا وصبروا وانتصروا.
وفي النهاية، فإن السكينة ليست مجرد شعور لطيف، بل قوة ربانية تعيد ترتيب القلوب، وتنعش الروح، وتُعلّم الإنسان كيف يعيش في الدنيا بقلب مطمئن، يدرك أن الله معه، وأنه لن يخذله، وأن ما بعد الصبر إلا الفرج، وما بعد الضيق إلا اللطف، وما بعد الخوف إلا الأمان.










